السر الذي تكتمه «أنغام»

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

أخبرنى الطبيب بأن ابنى بحاجة إلى عملية جراحية فى وقت قريب، فتداعت طاقتى، شعرت بأننى بحاجة للاختباء من العالم، أغلقت صفحتى الخاصة بموقع فيس بوك كى لا أضطر للاشتباك بأى شكل حول أى موضوع، كففت عن التواصل مع كثير ممن أعرفهم، ووجدتنى عاجزة عن الكتابة، شعرت بأن عالمى بالكامل قد توقف، وأصابنى عطل لم أتوقع أنه قد ينتهى إلا عند تلك اللحظة التى سيخرج فيها صغيرى من غرفة العمليات معافى بإذن الله.

فى الوقت ذاته، كانت الأخبار تتواتر عن السيدة التى يصفها الجميع بـ«القوية» تلك التى وقفت قبل شهر واحد فقط على خشبة مسرح العلمين أمام جمهور ضخم، لتغنى وتطربهم مع ابتسامة عريضة، وأداء قوى، ثم عقب أيام قليلة طارت إلى ألمانيا لإجراء أكثر من عملية جراحية!

حسناً، هى بالتأكيد كانت تعلم بينما كانت تقف على المسرح أن ثمة خطباً، تعرف ما هى مقبلة عليه، وتدرك جيداً أنها ليست على ما يرام، مع ذلك واصلت عملها، ثلاث ساعات من الغناء سبقتها أيام من التحضيرات، أوقن أنها تألمت خلالها بالضرورة، لكن أحد لم يعرف أى شىء سوى لاحقاً، فى الزمان والمكان الذى حددته «أنغام» بنفسها.

أتابع تلك السيدة القوية من بعيد، وأتأمل تلك القدرات الخاصة التى تمتلكها، أتساءل فى كثير من الأحيان «هل القوة المستمرة أمر عادل؟» أحاول أن أتعلم منها كيف يمكن للمرء أن يتقن فنون التجاهل والتحمل لسنوات طويلة دون أن ينزلق لمستنقعات الاتهامات والإساءات، تلك التى كانت لتغرق سواها فى طينها دون رجعة، لكنها لم تفعل، أتقنت الطفو، وأحياناً الطيران، لم تخرج سوى مرة واحدة لتدافع عن نفسها، لتشكو ظلماً بدا أنه نال منها أخيراً، مع ذلك واصلت العمل بإتقان واجتهاد، وراحت تستكمل مشروعها حتى وصلت إلى تلك اللحظة التى ما زلت أتأملها بعمق وأتساءل: «كيف فعلتها؟».

كان بإمكانها أن تعتذر، أو تغيب أو لا توافق من الأساس على الظهور فى ذلك التوقيت، لكنها امرأة من طراز خاص، أو لنقل «أستاذة» لا تنزوى ولا تهرب ولا تستسلم للخوف والجزع، حتى تلك المرة الوحيدة التى خرجت فيها عن صمتها مطلع يوليو الماضى كانت درساً قاسياً للكثيرين ممن اعتادوا الحديث دون سند، ورمى التهم دون دليل، تلك المكالمة التى ظهرت فيها مع الإعلامية لميس الحديدى لتقول وقد خانتها دموعها بعدما نالها اتهام أنها السبب وراء وعكة مطربة زميلة، فخرجت وقد ضاقت بكل شىء لتقول: «كفاية، كده حرام وكده عيب، الظلم ده كتير، سيبونى فى حالى، سيبونى لربنا إنما الظلم ده كتير عليا أنا تعبت كفاية توجيه حملات عليا.. مش شايفنى؟ مش شايفنى خالص؟ أنا بتهاجم على موقف أنا ماليش أى علاقة بيه، هو أنا مش بنى آدم؟ معنديش إحساس ومشاعر، معنديش حد يزعل عليا؟».

تلك الأخيرة بدت صادقة للغاية «معنديش حد يزعل عليا؟» تلك هى كلمة السر التى تملكينها وحدك، كلمة سر حول القوة التى لا تدع مجالاً للتعاطف، والتماسك الذى يوحى أن المرء ليس بحاجة لأحد، الاستمرارية التى تقنعك أن الصمود أبدى، هذه بالضبط هى كلمة السر التى تحيل حياة الأقوياء جحيماً، هؤلاء الذين لا يتقنون الشكوى وتصدير المشكلات ومشاركة الكوارث، مَن يكتمون أحزانهم ويمتصون صدماتهم فى صمت، ولا يقدمون سوى الأمور الجميلة الرائعة، يواصلون التزامهم حتى فى أحلك اللحظات ويحترمون أنفسهم والآخرين، يتعامل معهم الجميع كـ«فولاذ» لا يتأثر أو يحزن أو يمرض.

ربما لهذا انتاب الكثيرين خوفٌ شديدٌ بشأن تلك السيدة.. حين اختفت فجأة وصارت الأخبار تتحدث عن مرض وألم وجراحة ومعاناة، تحولت الدفة وشهدت بنفسى على كثيرين راحوا يراجعون أنفسهم ويعيدون النظر من جديد فى شأن السيدة «القوية» والتى لم يبد أن أحداً صار بعد الآن يرغب إلا أن يراها كذلك.. قوية صامدة لامعة فى أفضل صحة وحال لا تسوؤها كلمة ولا يعطلها خذلان، ولسان حال الجميع يقول لها «ما اتفقناش على كده».