«الإسلاميون» وتدمير مقاصد الشريعة

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

من أخطر نتائج تيارات التطرف الدينى أن تطبيقاتهم وفتاواهم وأدبياتهم تنطلق لتهدم المقاصد الجليلة والمطالب والغايات العليا التى جاء الإسلام من أجلها، وتبذل جهودها وأموالها وأنشطتها فى ذلك وإلصاق القبح والتشدد بالدين، وهى فى الظاهر تحمل رايته، وتتظاهر بحمايته، وكانت النتيجة أن شغلوا المجتمع والعالم بعشرات المفاهيم والأطروحات الملتبسة المبتورة المغلوطة.

والمقاصد الكلية للشرع هى: حفظ الأنفس، وحفظ العقول، وحفظ الدين، وحفظ الأموال، وحفظ الأعراض والكرامة، وهذه المقاصد هى غاية الغايات من كل شئون التشريع الإسلامى، بل يذكر الشاطبى أنها (ليست مقاصد الإسلام فقط، بل مقاصد الشرائع والأديان كلها).

والذى يضع هذه المقاصد أمامه، ويرصد مجموع أنشطة هذه التيارات، يجد أن أنشطتهم لم تسفر عن حفظ الأنفس وحمايتها من الهلاك، فضلاً عن العمل على إكرامها وإحيائها، بل حملوا راية القتل والتكفير، والنسف والتفجير، والاغتيال الجسدى والمعنوى، ونقض العهود، وترويع الآمنين، ثم إسقاط دول وتشريد شعوب كاملة، وتقسيم دول كاملة، كما هو ناتج تجاربهم فى السودان وأفغانستان والصومال وليبيا وسوريا وغيرها.

هناك من وراء المقاصد الكلية عشرات المقاصد الخاصة أو الجزئية، التى دمرتها هذه التيارات، حيث:

غاب مقصد ثقافة تقدير الحياة والإحياء، وغاب شعار (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) وتحويله إلى ميثاق عالمى، وصناعة الحضارة.

غاب مقصد تحويل آيات القرآن الكريم إلى برامج عمل تستلهم أوامره بالنظر والتأمل والفكر والتدبر حتى نشيد المؤسسات والمستشفيات ومراصد الفلك ومدارس العلم كما صنعنا بالفعل من قبل.

غاب مقصد مكارم الأخلاق، وحفظ الأوطان، وحماية اللغة العربية لتجرى جنباً إلى جنب مع الإنجليزية والإسبانية.

غاب مقصد تعزيز استقرار المجتمعات، وأين إطفاء نيران الحروب فى العالم، والذى هو واجبنا فى المقام الأول كمسلمين؟

غاب مقصد محاربة الجوع انطلاقاً من قول نبينا الكريم: (أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام)، فكان ينبغى أن نتحول إلى أمة تحارب الجوع والفقر فى العالم، بدلاً من أن نستجدى الآخرين، وهكذا فإن خريطة مقاصد الشرع الشريف قد دُمرت على أيديهم، فبدلاً من حفظ الأنفس انطلقوا إلى العنف والقتل، وبدلاً من حفظ العقول دمروا العقول السليمة ومناهج التفكير المنيرة، وبدلاً من حفظ الدين قدَّموه بصورة قبيحة منفرة فألحد الناس.

وهذه شهادة مهمة لأحد الرموز التاريخية لهذه التيارات هو عبدالفتاح مورو، يقول فيها ما خلاصته: نحن الإسلاميين تجاهلنا قضايا مهمة من قبيل المواطنة، والعلاقة مع غير المسلمين، ومكانة المرأة، وحقوق العمال والحريات العامة، لقد حرص الإسلاميون على الغرق فى مفهوم الحاكمية، وهى قضية جزئية تمّ تضخيمها، وأصبحت قضية القضايا لدى إخواننا، لقد نسينا أن قضيتنا إنسانية مرتبطة بالنضال مع المستضعفين، نضال يجب أن يكون مع غيرنا من غير الإسلاميين ومن غير المسلمين، كنا مخطئين فى قراءتنا للنص الإسلامى فى شبابنا، إن تخلف العالم الإسلامى أكبر من ترك الصلاة، ولبس المرأة للحجاب، وإطالة اللحية، وتقصير الثياب، لقد ظهرنا لنقول للناس نحن الخلاص الأخلاقى، لكننا فشلنا فى هذا.