أشرف غريب يكتب: مئوية هدى سلطان التي غفلنا عنها

كاتب صحفي

أدهشنى كثيراً هذا الحضور الباهت، أو قل الاحتفاء الخافت، بمئوية ميلاد الفنانة الكبيرة هدى سلطان الذى حلَّ قبل أيام، وبالتحديد فى الخامس عشر من هذا الشهر، فبهيجة جمالات عبدالعال الحو، التى ملأت حياتنا غناء وتمثيلاً وعطاء إنسانياً نبيلاً، كانت ولا تزال تستحق منا احتفالاً كبيراً يليق بها وبهذه المناسبة التى لا تتكرر إلا كل مائة عام. صحيح أن بعض المواقع قد تذكَّرتها، وقليل من البرامج الفضائية قد أتت على ذكر مئويتها، لكن هذا لم يكن كافياً على الإطلاق كى يوفى هذه القيمة الفنية الكبيرة ما تستحقه من احتفاء.

إنك تستطيع القول بكل ارتياح إن الممثلة والمطربة هدى سلطان، التى رحلت عن العالم فى الخامس من يونيو قبل تسعة عشر عاماً، قد ولجت إلى عالم السينما من باب جمال الصوت، شأنها فى ذلك شأن الكثيرين من المطربين والمطربات الذين عرفوا طريقهم إلى الشاشة الكبيرة فى وقت كانت فيه السينما ترحب بمطربى مصر والعرب على شاشتها، لكن يمكنك القول أيضاً بكل اطمئنان إنها استطاعت بعد وقت قصير من بداية تجربتها الفنية أن تزيل المسافة بينها كممثلة وبينها كمطربة، بل وواحدة من صاحبات أجمل الأصوات التى عرفتها الأذن العربية، حتى إن المشاهد لم يستنكف أو يدهشه ظهورها فى أعمالها الدرامية كممثلة فقط، وباتت قدراتها الغنائية قيمة مضافة تميزها عن غيرها من الممثلات ليس أكثر.

فمنذ عام 1949، حين اعتمدتها الإذاعة المصرية مطربة معترفاً بها بأغنية «حبيبى ملقتش مثاله» من ألحان أحمد عبدالقادر، ثم ظهورها السينمائى الأول فى العام التالى فى فيلم «ست الحسن» من إخراج نيازى مصطفى. وحتى وفاتها عام 2006، لم تتوقف ابنة قرية كفر أبوجندى غربية وشقيقة الموسيقار محمد فوزى عن العطاء للحياة الفنية دون كلل أو توقف.

وحينما دخلت هدى سلطان عالم السينما كانت فاتن حمامة، على وجه التحديد، قد جرفت كل بنات جيلها تقريباً إلى تيار المليودراما الذى أسَّس له يوسف وهبى وقاده بإصرار حسن الإمام، فانجرفت هدى هى الأخرى مع تيار المليودراما فى أفلام: «بيت الطاعة» ليوسف وهبى، «حكم القوى»، و«تاجر الفضائح» لحسن الإمام، «المكتوب على الجبين» لإبراهيم عمارة، «لمين هواك» لحلمى رفلة. وفى معظم هذه الأفلام، إن لم تكن جميعها، كانت تمثل النموذج الفاتنى -نسبة إلى فاتن حمامة- للفتاة البائسة المغلوبة على أمرها حتى وان كان بأسلوب أداء مختلف عن حالة القهر البيِّن، أو قل الانسحاق، التى كانت تؤدى بها الأخريات هذه النوعية من الأدوار.

غير أن الميلودراما لم تكن فقط هى السائدة فى ذلك الوقت، وإنما كان للفيلم الغنائى صوت مسموع، خاصة مع زيادة الطلب الخارجى عليه، فوجدت هدى سلطان لنفسها مكاناً بأفلام كثيرة منها «تاكسى الغرام» أمام عبدالعزيز محمود وإخراج نيازى مصطفى، و«حبيب قلبى» أمام الملحن رياض السنباطى فى تجربته السينمائية الوحيدة من إخراج حلمى رفلة.. وبين تيار المليودراما ونسائم الفيلم الغنائى تقلبت هدى على معظم النوعيات الأخرى، كما هو الحال فى «الأسطى حسن، المحتال، حميدو، جعلونى مجرماً، ورصيف نمرة خمسة».

ومع توالى سنوات الخمسينات كان المخرج حسن الإمام قد قرر أن يخلق للسينما المصرية نموذج الإغراء الذى يناسبها حتى وإن كان ظلاً للنموذج الهوليوودى الذى كانت تمثله مارلين مونرو، وكانت أداته فى ذلك الفنانة هند رستم التى فعلت الشىء ذاته الذى فعلته فاتن حمامة مع المليودراما حين جرفت معها بعض الأسماء الأخرى إلى عالم الأنوثة والإغراء مثل صباح وبرلنتى عبدالحميد وهدى سلطان التى فضَّلت تغيير جلدها الفنى والذهاب إلى النموذج المعاكس تماماً للفتاة البائسة المغلوبة على أمرها.

وإذا كانت هند رستم قد تأثرت كثيراً بحالة مارلين مونرو فى الغرب، فقد حاولت هدى سلطان أن تُضفى روحاً مصرية واضحة على نموذج المرأة القوية المثيرة، فجاءت أقرب إلى الطبقة الشعبية أو المتوسطة.. بدا ذلك واضحاً فى «سواق نص الليل، كهرمان، العاشقة، عبيد الجسد، حب ودلع، نساء محرمات»، وكذلك فيلماها المهمان مع حسن الإمام «زوجة من الشارع» و«صائدة الرجال».

غير أن ذروة نضجها الفنى والأنثوى كان فى رائعة المخرج عز الدين ذو الفقار «امرأة فى الطريق» سنة 1958 وليس «امرأة على الطريق» كما يكتبه البعض، فشتان بين معنى أن تعترضك امرأة متفجرة الأنوثة والرغبة وأنت فى طريقك، وبين أن تجد امرأة ملقاة على الطريق بلا فاعلية أو حراك، أو تكون هى على الطريق ذاته الذى تسير أنت عليه.

وهدى سلطان فى رائعة عز الدين ذو الفقار كانت فى الطريق.. الشيطان الأنثوى الذى يعترضك ويلفحك بنيران رغباته، أو إذا أردت التعاطف معها قل إنها المرأة المتفجرة التى دفعها ضعف الزوج وطمع المحيطين بها إلى البحث عن الإشباع والأمان عند الرجل الذى يتعفف عنها رغم أنه يجدها فى طريقه حتى لحظة النهاية الدراماتيكية.. وهكذا تحولت هدى سلطان من مجرد فريسة مقهورة فى أفلام الميلودراما إلى صياد حاذق عند تحولها إلى أدوار الإغراء.

ومع تحولها إلى مرحلة أدوار الأمومة، وخاصة عبر الدراما التليفزيونية، وفى كل تلك المراحل كان صوت هدى سلطان المطربة حاضراً فى الوجدان المصرى والعربى، وباقياً إلى الآن فى الذاكرة السمعية لكل من عشق عطاءها الفنى الكبير.