علي الفاتح يكتب: نتنياهو يصعد الشجرة وواشنطن تحرمه سلم الخلاص

كاتب صحفي

بات خيار الحرب الممتدة من طهران إلى القاهرة هو الأقرب إلا إذا حدث تغير دراماتيكى داخل النظام السياسى للكيان الصهيونى، ومن ثم فى توجهات وسياسات البيت الأبيض إزاء الشرق الأوسط.

حمل اجتماع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الأسبوع الماضى، لكل من «صهره ومبعوثه السابق للشرق الأوسط جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير، ووزير الشئون الاستراتيجية لحكومة الكيان الصهيونى رون درايمر»، رسالة مفادها أن الإدارة الأمريكية مُصرة على دعم خطط مجرم الحرب بنيامين نتنياهو بشأن احتلال قطاع غزة وحشر سكانه البالغ عددهم أكثر من 2 مليون نسمة فى مناطق الجنوب على التماس مع الحدود المصرية.

كوشنر، وأثناء ولاية ترامب الأولى، كان صاحب فكرة تحويل غزة إلى منطقة اقتصادية تُضخ فيها استثمارات بنحو 50 مليار دولار بفصلها تماما عن الضفة الغربية، ومن ثم إنهاء مبدأ حل الدولتين.

أما تونى بلير فكان قد أعدَّ، من خلال مركز الأبحاث الذى يمتلكه، دراسة تفصيلية تشرح كيفية تفريغ سكان قطاع غزة من مواطنيه.

أما رون درايمر، فهو الذراع اليمنى للإرهابى بنيامين نتنياهو وواضع استراتيجيات إعادة احتلال غزة وتهجير سكانها.

صحيح، لم تصدر أية بيانات رسمية عن الاجتماع المذكور؛ لكن خلفيات المشاركين به، ومواقفهم المعلنة تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام تؤكد جميعاً أنهم ربما يعودون إلى ترامب فى المرة القادمة بتصور متكامل حول مستقبل غزة بدون أهلها، والسبل الممكنة لتهجيرهم.

عقب الاجتماع بثلاثة أيام أعلن وزير الخارجية الأمريكى مارك روبيو إلغاء تأشيرات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس و80 آخرين من أعضاء حكومته ومنظمة التحرير الفلسطينية لمنع مشاركتهم فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المزمع خلال أيام.

قرار الخارجية الأمريكية، والذى جاء مخالفاً لاتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947، إشارة جديدة إلى أن الإدارة الأمريكية لا تتخذ موقفاً معادياً فقط من حركات المقاومة الفلسطينية، وإنما أيضاً من السلطة الفلسطينية، تماهياً مع موقف حكومة اليمين الصهيونى المتطرفة، ما يعنى مُضيَّها بمعاونة نتنياهو فى مخططه لتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء حل الدولة المستقلة، التى يكافح من أجلها الفلسطينيون.

الاتفاقية الدولية بشأن مقر الأمم المتحدة تُلزم واشنطن بمنح التأشيرات لجميع الدبلوماسيين وقادة الدول بغضِّ النظر عن طبيعة علاقتها السياسية بها، والمعروف أن السلطة الفلسطينية تتمتع بصفة العضو المراقب فى الأمم المتحدة، علاوة على أن 147 دولة من بين 193 من أعضاء المنظمة الأممية اعترفت بدولة فلسطين.

قرار الإدارة الأمريكية يسعى إلى إفشال ما قررته عدد من الدول الغربية، فى مقدمتها فرنسا وأستراليا وكندا، بإعلانها اعترافها بدولة فلسطين أثناء اجتماعات الجمعية العامة، لكن فى الواقع تأتى الخطوة الأمريكية لتحرم رئيس حكومة اليمين الصهيونى الإرهابى سلم الأمان الذى يُمكِّنه من النزول من قمة شجرة التصعيد ليجد نفسه غارقاً فى وحل غزة ومتورطاً فى حرب إقليمية ممتدة من طهران، التى فشل هو وداعمه الأمريكى فى تحقيق أى من أهداف حرب الـ12 يوماً، إلى القاهرة، التى لن تتخلى عن زيادة وتيرة التصعيد العسكرى والدبلوماسى تحذيراً من المضى فى خطة احتلال غزة ودفع 2 مليون فلسطينى إلى الحدود مع مصر.

وبين طهران والقاهرة هناك لبنان الحذِر من اشتعال فتيل الحرب الأهلية، التى تخطط واشنطن وتل أبيب بعناية لاندلاعها، وسوريا التى أصبحت مسرحاً لصراعات إقليمية ودولية تكاد تنفجر فوضى وحرباً عشوائية فى وجه الكيان الصهيونى.

الأرض فى الشرق الأوسط ملتهبة ومنسوب الاحتقان فى تصاعُد، وما جرى فى مدينة غزة مع إعلان بدء خطة احتلالها يؤكد أن الأمر ليس بتلك السهولة التى يحاول الإرهابى نتنياهو تصويرها لزعيم البيت الأبيض، فها هى «حماس» تبادر بهجوم وصفه الإعلام العبرى بالأصعب منذ اندلاع أحداث «طوفان الأقصى» فى السابع من أكتوبر 2023.

عدة أكمنة ومواجهات قتالية مباشرة توقع أكثر من 11 جندياً صهيونياً بين قتيل وجريح، وأنباء غير مؤكدة عن محاولة أسر 4 آخرين.

حرمان السلطة الفلسطينية من الوجود فى ميعاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، إضافة إلى هذا الدعم الأمريكى للمشروع الاستيطانى المعروف بـe1 لتقسيم أراضى الضفة الغربية، والقضاء على الوجود السياسى والإدارى للسلطة فى رام الله يدفع مكونات منظمة التحرير وأعضاءها وقياداتها للشعور باليأس من أى إمكانية للحلول الدبلوماسية، لا سيما أن رئيس السلطة محمود عباس أبومازن كان قد خط رسالة للرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون فى شهر يونيو الماضى أعلن فيها إدانته الصريحة لأحداث «طوفان الأقصى» فى السابع من أكتوبر، وطالب «حماس» بسرعة تسليم الأسرى.

أى أن أبومازن قام فعلياً بما تتخذه الإدارة الأمريكية ذريعة لإلغاء تأشيرته، فقد علل وزير الخارجية الأمريكى مارك روبيو قراره بإلغاء تأشيرات الدبلوماسيين الفلسطينيين بعدم إدانة السلطة لما فعلته «حماس» فى السابع من أكتوبر، وتقويضه لعملية السلام.

مشاعر اليأس قد تدفع الفلسطينيين فى الضفة الغربية إلى انتفاضة مسلحة فى وجه الاحتلال الصهيونى ليتورط، ومن خلفه الأمريكان، فى حرب استنزاف طويلة يفنى فيها جنود الاحتلال ولا يفنى الشعب الفلسطينى، أو حرب إقليمية تفنى فيها إسرائيل والمصالح الأمريكية ولا تفنى شعوب الشرق الأوسط.