غرق تيتانيك بين المؤامرة وغرور الإنسان

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

في الأول من سبتمبر عام 1985 اكتشفت بعثة فرنسية أمريكية مشتركة حطام السفينة الأشهر في التاريخ «تيتانيك».

الاسم يعني «العملاقة أو الجبارة أو الضخمة جدا» وهو مشتق من صفات الآلهة أو الجبابرة الإغريق في زمن قديم.

حطام تيتانيك كان على عمق 13 كيلو متر في قاع شمال المحيط الأطلنطي، غرقت السفينة بعد أربعة أيام من مغادرتها ميناء ساوث هامبتون في إنجلترا في طريقها إلى نيويورك بأمريكا، كانت السفينة تحمل ألفي شخص لم يبقى حيا منهم سوى 700 شخص وغرق الباقون بسبب عدم كفاية قوارب النجاة.

لكن السبب الأساسي لغرق تيتانيك كان اصطدامها بجبل جليدي عملاق مزق السفينة خاصة بعدما تبين وجود عيوب وضعف في أجزاء منها رغم هيبتها وتفاخر صناعها فيما يناسب تكنولوجيا ذلك الزمان.

عرف العالم تيتانيك بشكل أوسع بعدما أنتجت أمريكا فيلما بهذا الاسم وشهده مئات الملايين في كل دول العالم، كان قصة الفيلم والحبكة والسيناريو من اهم عناصر جذب المشاهدين خاصة بتطعيم الأحداث بقصة حب بين شاب فقير وفتاة أرستقراطية في تحد لتقاليد ذلك الزمان ورفض أسرة الفتاة وخطيبها الثري.

أعاد الفيلم تيتانيك إلى صدارة المشهد وبدأ الناس يسألون عن تفاصيل بدافع الفضول الذي سيطر عليهم بعد عرض الفيلم.

عندما أُطلق على السفينة تيتانيك وصف "لا تُغرق"، لم يكن الأمر مجرد دعاية تجارية بل كان انعكاسًا لروح العصر: عصر الثورة الصناعية، التوسع الاستعماري، الثقة المطلقة في العلم والتكنولوجيا. بدا وكأن الإنسان صار قادرًا على إخضاع الطبيعة وترويضها بالكامل.

لكن ما حدث في ليل 14 أبريل 1912 كان صفعة كونية: كتلة جليد صامتة، بسيطة، غيّرت مجرى التاريخ وأغرقت إنجازًا اعتبره البشر ذروة براعتهم.

في الفترة الأخيرة ترددت أقاويل عن وجود مؤامرة في مسألة غرق السفينة العملاقة، يقال إن شركة "وايت ستار لاين" مالكة السفينة بدّلت بين السفينتين الشقيقتين (تيتانيك وأوليمبك) لأن أوليمبك كانت متضررة ولن تُعوَّض شركات التأمين عنها، فتم التضحية بتيتانيك عمدًا.

لكن الصور والوثائق والسجلات تؤكد أن السفينة التي غرقت فعلًا هي تيتانيك. وقيل أن الغرق كان متعمّدا للتخلص من رجال أعمال مؤثرين، فدبر أصحاب النفوذ الغرق للتخلص منهم لأنهم منافسين أقوياء كانوا على متنها مثل جون جاكوب آستور وبنجامين غوغنهايم وإسيدور ستراوس.

والحقيقة أنه لا يوجد أي دليل على ذلك، وغرق رجال الأعمال الكبار كان نتيجة طبيعية لأنهم اختاروا البقاء مع زوجاتهم أو لم يصلوا إلى قوارب النجاة.

كما أشيع أن السفينة كان على ظهرها علماء كانوا يحملون اختراعات خطيرة، فتم تدبير الغرق حتى لا

يصلوا إلى أمريكا. والحقيقة أن قوائم الركاب معروفة ولم يُسجل وجود بعثة علمية كبرى أو اختراعات حساسة على متن السفينة.

واللافت ما قيل عن تأثير اللعنة المصرية على غرق السفينة، لأنها كانت تحمل تابوتًا فرعونيًا ملعونًا، والحقيقة أنه لم يوجد أي أثر أثري أو تابوت على السفينة، وهذه مجرد أسطورة لزيادة الغموض. وردد آخرون أن السفينة لم تصطدم بجبل جليدي إنما ما حدث كان انفجارًا وربما كان اصطدامًا بسفينة أخرى.

والحقيقة أن شهادات الناجين، والتحقيقات، وصور الحطام تحت البحر كلها تؤكد بوضوح وجود تمزقات ناتجة عن جبل جليدي.

لكن هناك تفسيرات وتحليلات فلسفية بشأن غرق السفينة , وإذا كانت قد اشتقت اسمها من صفات آلهة اليونان، فمن المناسب أن نذكر " الهُبريس "أي الغرور المدمّر في الفلسفة الإغريقية، والهبريس هو تجاوز الإنسان لحدوده الطبيعية بدافع الغرور، وهو ما يستدعي تدخل "نيميسيس" (إلهة العقاب).

تيتانيك كانت مثالًا حديثًا لهذا الهبريس، فهي إنجاز بشري مدهش، لكنه محمّل بادعاء التفوق على حدود الطبيعة و النتيجة، الانهيار أو الغرق.

أما الفيلسوف الألماني «كانط» فيقول إن العقل البشري قوي لكنه محدود، وقد جسدت تيتانيك تلك الفكرة، فقد شيد العقل آلة جبارة، لكنه لم يحسب بدقة هشاشة المسامير، ولم يتوقع عناد البحر، التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

ول أخذنا بمضمون فلسفة سارتر وكامو والمفارقة الوجودية، فإن تيتانيك تعكس عبثية الوجود، حيث عرفنا آلاف الأرواح التي ركبت فوق ظهر السفينة، وخطط السفر، وأحلام الأغنياء والفقراء والتي تنتهي فجأة بسبب صدفة طبيعية.

إنها تذكرنا بما يقوله كامو عن "عبث الحياة" أمام قوة الموت. بينما يؤكد هايدغر أن الإنسان يعيش وهم السيطرة على الكينونة، لكنه يكتشف دائمًا أن هناك قوة أعمق (الطبيعة/الوجود) تذكره بضعفه، الجبل الجليدي كان تلك القوة الصامتة.

لم تكن تيتانيك مجرد سفينة غرقت، بل تجسيد لفكرة أن غرور الإنسان هو الذي يُغرقه، وأن كل حضارة تتجاهل حدودها الطبيعية تُعرّض نفسها للسقوط، وقد غرقت "السفينة التي لا تغرق" في أعماق الأطلنطي، لتتحول من رمزٍ للتفوق البشري إلى شاهدٍ على محدوديته.

لم يكن غرق تيتانيك حادثًا تقنيًا وحسب، بل كان حدثًا فلسفيًا بامتياز، في مواجهة مباشرة بين غرور الإنسان وقوة الطبيعة.

ظن الإنسان، في ذروة الثورة الصناعية، أنه أحكم قبضته على العالم، فالمصانع تعانق السماء، والقطارات تشق اليابسة، والسفن العملاقة تهيمن على البحار.

وسط هذا الزهو، وُلدت تيتانيك؛ صرحٌ فولاذي يرمز إلى الثقة العمياء بالتكنولوجيا، وها هو الإعلان يتردد بفخر: "سفينة لا تغرق".

لكن الجبل الجليدي، بصمته وحياده، كان الفيلسوف الأعظم في تلك الليلة. لم يحتج إلى سيف أو مدفع، بل كان حضوره وحده كافيًا ليذكّر الإنسان بحدوده، لقد أجهز على أسطورة التفوق البشري، وكشف أن الطبيعة لا تُخضعها دعاية ولا تُروضها مسامير فولاذية.

تيتانيك لم تكن سفينة غرقت، بل مرآة فلسفية تعكس ضعف الإنسان حين ينسى تواضعه. إنها تذكير بأن العلم، مهما بلغ، يحتاج إلى حكمة؛ وأن التكنولوجيا بلا وعي أخلاقي تتحول إلى أداة هلاك.

ولعل الدرس الأعمق هو أن الحضارات، مثل الأفراد، تُغرقها أوهامها أكثر مما تُغرقها الصخور أو الجبال.