عبدالناصر والإخوان.. من التقديس إلى الشيطنة

حين قامت ثورة يوليو 1952، تحركت جماعة الإخوان بسرعة لتجد لنفسها مكاناً فى قلب السلطة الجديدة. واللافت أن لغة الإخوان تجاه جمال عبدالناصر والضباط الأحرار، فى تلك الأيام الأولى، كانت لغة إعجاب وولاء تصل إلى حدود الغلو.

ففى عام 1953، كتب سيد قطب مقالات متتالية يصف فيها الضباط الأحرار بأنهم «فتية آمنوا بربهم فزدناهم هدى»، وذهب أبعد من ذلك حين اعتبرهم «المثل النادر فى تاريخ البشرية»، بل إنه فى اندفاعه طالب عبدالناصر بأن يكون ديكتاتوراً ليقضى على أعداء الثورة. وفى سبتمبر من العام نفسه، نشر حامد أبوالنصر مقالاً فى مجلة الدعوة وصف فيه عبدالناصر بأنه «قديس الثورة»؛ وكأنَّ الرجل قد ارتقى إلى مرتبة الولاية.

كانت تلك الكتابات، فى حقيقتها، محاولة من الإخوان للاقتراب من الثورة، ثم التحكم فى مسارها، وصولاً إلى امتلاك السلطة نفسها، ولكن حين تبيَّن لهم أن حساباتهم أخطأت، وأن عبدالناصر لم يكن مستعداً للتنازل عن القرار الوطنى لصالحهم، انقلبت المعادلة، فإذا بقديس الأمس يصبح شيطان اليوم. ولم يكتفِ الإخوان وقتئذ بالخصومة السياسية، وإنما لجأوا إلى ما اعتبروه وسيلتهم الأخطر، وهى الشائعة، فأطلقوا على عبدالناصر ما لم يجرؤ أشد خصومه الخارجيين على قوله، فأشاعوا أن أمه يهودية، وأن سيدة يهودية قامت بتربيته بعد وفاتها، وأن تلك الجارة هى التى زرعت فى قلبه حب اليهود وكراهية الإسلام.

ثم امتدت ماكينة الإخوان لتنتج شائعات متناقضة، من أول أن عبدالناصر عدو الإسلام الذى سخر من الطواف حول الكعبة، ثم عبدالناصر الإخوانى السابق الذى خان الجماعة وانقلب عليها، مروراً بعبدالناصر رجل الأمريكان وثورتهم، إلى عبدالناصر الشيوعى الملحد وصديق خروشوف، ثم عبدالناصر الماسونى الذى يترأس المحفل العالمى.

ورغم هذا الكم المتناقض من الشائعات، لكن لا يهم التناقض عند الإخوان ما دام الهدف هو تشويه الصورة وتدمير الرمز. ولم يقف الأمر عند شخص عبدالناصر، بل امتد إلى إنجازاته. فالجماعة، فى خطابها الداخلى، لم تذكر له حسنة واحدة، وكأنَّ سنوات حكمه لم تشهد بناء السد العالى، أو خروج الاستعمار البريطانى، أو توسُّع الصناعة، أو مجانية التعليم. ولعل المثال الأبرز ما كتبه حامد أبوالنصر نفسه، الرجل الذى سبق أن وصف عبدالناصر بـ«قديس الثورة»، عاد فى كتابه «قال الناس ولم أقل فى حكم عبدالناصر» ليضع أمام القارئ إحدى وسبعين «رذيلة» منسوبة إليه، حتى بدا وكأنه إبليس تجسَّد فى صورة بشر.

وفى الحقيقة، لم تكن خصومة الإخوان مع عبدالناصر مجرد خلاف سياسى، وإنما تحوَّلت إلى ركن فى التربية التنظيمية داخل الجماعة، فكل عضو جديد كان يُلقَّن أن كراهية عبدالناصر عبادة، وأن عداوته جزء من الدين.

وقد التقيت، فى تجارب شخصية، بقيادات من الجماعة، مثل زينب الغزالى وصلاح شادى، وسمعت منهم قصصاً عن التعذيب والمبالغات التى تُروى وكأنها من حكايات ألف ليلة وليلة. قصص عن عبدالناصر الذى يذهب بنفسه إلى السجن الحربى ليشرف على تعليقهم من الأذرع! وحين استمعت إليها عن قرب، اكتشفت أنها مصنوعة لتستدرَّ عاطفة الشباب وتدفعهم إلى التصديق الأعمى.

ولم أكن وحدى الذى شكك فى تلك الروايات، بل كثيرون غيرى من داخل الإخوان أنفسهم كانوا يتهامسون بعدم معقوليتها، وإن ظلوا صامتين خوفاً من الخروج على «الخط العام».

وكانت ذروة صناعة الأساطير فى قضية تنظيم 1965، الذى أسَّسه سيد قطب نفسه للإطاحة بالنظام. الجماعة حوَّلت القضية إلى ملحمة أسطورية، فقالت إن التنظيم ملفَّق، وإن قطب لم يكن له شأن به، وإن المحكمة نفسها كانت تسعى للانتقام. ونُسجت حول قطب حكايات عن رفضه الاعتذار لعبدالناصر، وعن السبَّابة التى لا تكتب اعتذاراً لغير الله، وعن ظهره المجلود أمام القضاة.

كلها روايات بلا سند، ولكنها نجحت فى غرس صورة «الشهيد القديس» فى أذهان الأتباع، مقابل صورة «الشيطان السفَّاح» لعبدالناصر.

هكذا كان منهج الإخوان، من التقديس إلى الشيطنة. يمدحون إذا رأوا السلطة قريبة، ويُشهرون سلاح الشائعة إذا وجدوا الطريق مسدوداً. وإذا كان هدف الإخوان من هذا العداء مفهوماً، إذ إنهم فقدوا السلطة التى أرادوها واصطدموا بزعيم لم يسمح لهم بأن يكونوا أوصياء على الوطن، فإن غير المفهوم أن يظهر فى الأيام الماضية أشخاص لهم خلفية سياسية علمانية أو يسارية، وينضمون إلى طابور الإخوان الذى يستهدف عبدالناصر. نعم، عبدالناصر مثل أى حاكم له أخطاء وله إنجازات، لكن من غير المعقول أن يتم شيطنة الرجل ووصف عصره بأنه عصر الهزائم، وكأنهم لم يقرأوا عن حرب السويس، ولم يسمعوا عن جلاء الاستعمار البريطانى، ولم يدركوا معنى أن يبنى بلد فقير سداً عالياً يصير أعجوبة هندسية فى عصره. وهؤلاء، فى الحقيقة، ليسوا سوى أعوان الإخوان، الذين يرددون خطاب الجماعة، لأنهم وجدوا فى تشويه عبدالناصر وسيلة لتبرير فشلهم السياسى.