انظر إليه كيف أنه تعامل بإنسانية راقية مع شاب فى لحظات التهور وغلبة النفس أو الرغبة فى الانحرافات الجنسية والكبائر؛ ففى الحديث جاء فتى فى جمع من الناس، وقال يا رسول الله ائْذَنْ لى بِالزِّنَا! والطلب فيه جرأة وسط الذين أقبلوا عليه يزجرونه، فقال النبى، صلى الله عليه وسلم: أقروه، أى اتركوه، فبدأ أولاً بإبداء حقه فى السؤال، وأن السؤال غير ممنوع، وأن صدر رسول الله مفتوح له ولأسئلته ومشكلاته مهما بلغت جرأتها، ثم قال: ادْنُهْ؛ أى اقترب منى، لتبدأ مرحلة خطاب مشاعر الفطرة والقياس المنطقى العقلانى: قال: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَال: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ واستمر صلى الله عليه وسلم فى ذكر درجات القرابة من النساء، لتأكيد المعنى لدى الشاب، ثم وضع يده على صدره وقال: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ».
تأمل لو أتى شابٌّ اليوم وطرح نفس السؤال، كيف سيكون التعامل معه، إن هذا الموقف يمثل لوحة عظيمة من الرحمة والإنسانية والتربية. الفتى لم يخجل أن يطرح سؤاله رغم جرأته، والنبى صلى الله عليه وسلم يفتح صدره لكل سائل، وبهذا أعطى رسالة خالدة أن السؤال لا ينبغى أن يكون ممنوعاً.
ثم ارتقى النبى إلى مرحلة أعمق حين قال للشاب ادنُ منى، فكأنه يخرجه من مواجهة عامة قد تحرجه إلى حوار خاص، هنا بدأ الخطاب النبوى يتوجه إلى الفطرة والوجدان، لم يسرد خطبة طويلة ولم يوبخه بعبارات قاسية، بل استخدم أبسط أسلوب منطقى حين سأله: أتحبه لأمك وأختك، فأعاد للشاب مشاعره الإنسانية، فكان الإقناع نابعاً من وعيه لا من قسر خارجى.
ولما ظهر أثر الإقناع فى قلب الشاب وعرف أنه كان على خطأ، لم يتركه النبى بلا تثبيت، بل وضع يده على صدره ودعا له قائلاً اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه. هنا يكتمل المشهد التربوى إذ يجمع بين الرحمة والعقل والدعاء.
لقد أنكر النبى المنكر ولكنه أنكره بروح الاستيعاب والرحمة والشفقة، فكان المدخل إلى التوبة والإصلاح. وهكذا ينبغى أن يكون تعاملنا مع شبابنا اليوم، نفتح لهم الأبواب، نسمعهم، نقنعهم، ثم نأخذ بأيديهم إلى الصفاء والطهارة.
إننا نحتاج إلى التعلق بالإنسان الكامل، نبى الرحمة، وغوث الأمة، والشفيع المشفع، وسيد ولد آدم، وانظر إلى صورة مضيئة من صور التجلى الربانى فى الرحمة، حين خاطبه ربُه بقوله: (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، والمقصود: إن كذبوك فى دعوتك، وقالوا عنك شاعر ومجنون، وأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، فكن معهم رفيقاً ليناً، وافتح لهم أبواب الرحمة والمغفرة، وأعلِمهم أن الله الذى أرسلك هو صاحب رحمة واسعة تعم الجميع، فلم يقل له: فإن كذبوك فقل إن ربك سينتقم منهم، أو إن ربك شديد العقاب بل قال: إن كذبوك فقل: (رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).
«لما بدا فى الأفق نورُ مُحَمَّدٍ.. كالبدر فى الإشراق عند كمالِهِ
نشر السلام على البرية كلها.. وأعاد فيها الأمنَ بعد زوالهِ..»