يسرا زهران تكتب: الشتاء النووي يطفئ الشمس ويُنهى الحياة على الأرض.. سيناريو أخطر 72 دقيقة في الحرب النووية العالمية المقبلة: الحلقة التاسعة
فى آخر 24 دقيقة من سيناريو «آنى جاكوبسون» تنتهى الحرب العالمية النووية بأن تفرغ كل من الولايات المتحدة وروسيا ترسانتها النووية على الأخرى
كلمات لا تتجاوز أسطراً معدودة، لكنها تكتب وراءها نهاية الحياة لأكثر من خمسة مليارات إنسان على وجه الأرض.
فى تلك الدقائق القليلة، التى تنتهى قبل أن ينتصف شوط مباراة كرة قدم، أو حلقة واحدة من مسلسل على «نتفليكس» (الحرب العالمية النووية كلها من بدايتها لنهايتها لا تستغرق أكثر من ٧٢ دقيقة، أى قبل أن ينتهى الوقت الأصلى للمباراة)، يندلع الجحيم فى نصف الكرة الشمالى بين قوى عظمى ظلت تلوح لبعضها البعض بالدمار لوقت طويل، حتى انقلب «التهويش» فى مرة إلى جد، بتدخل من طرف خارج الحسابات الدولية، قلب الحسابات والطاولة على رأس الجميع، ثم عاد ليختبئ فى مكمنه تحت الأرض.
هذا الطرف هو كوريا الشمالية، التى رأت «جاكوبسون» أن قيادتها ستستمر فى البقاء فى شبكة معقدة معدة للحياة تحت الأرض، تحافظ على بقاء قيادتها التى لا يعرف العالم عنها إلا القليل، حتى بعد أن تصل إليها الضربات النووية الأمريكية الانتقامية، التى لن تنال إلا من الشعب الكورى الشمالى الذى لن يجد طريقاً للهرب، على العكس من قيادته التى أشعلت الحرب.
سلسلة من الأحداث المعقدة، نسجتها «جاكوبسون» على امتداد الدقائق السابقة، ما بين انقطاع الاتصالات على مستوى القيادتين الروسية والأمريكية بعد تعرض «واشنطن» و«كاليفورنيا» لضربات نووية، وانطلاق الصواريخ النووية الأمريكية كرد انتقامى على الضربة الكورية الشمالية فى مسار حتمى لا بد أن يمر من فوق العاصمة الروسية «موسكو» على نحو دفع الرئيس الروسى فى سيناريو «جاكوبسون» للدخول على خط النار فى الحرب، وتفريغ الترسانة النووية الروسية بأكملها على رأس الولايات المتحدة وقواعد حلف «الناتو» فى أوروبا.


انطلقت الصواريخ الروسية نحو العواصم الأوروبية حاملة دماراً نووياً قضى على كل معالم الحضارة فيها، وانطلق معها ما يقرب من ألف صاروخ نووى روسى آخر ضرب الولايات المتحدة، فى المقابل، فإن الولايات المتحدة أفرغت ترسانتها النووية رداً على الضربة الروسية، لا بمنطق التأديب والردع هذه المرة، وإنما بمنطق اللامنطق، بمنطق «علىَّ وعلى أعدائى». إن أمريكا فى سيناريو «جاكوبسون» تعرف أنه لا سبيل أمامها للتعافى من آثار ألف تفجير نووى ينهى الحياة على أراضيها، فلا ترد إلا وهى تستهدف إبادة الطرف الآخر تماماً، فينطلق ٩٧٥ صاروخاً نووياً أمريكياً، من طائراتها التى تحمل قنابلها النووية، لتضرب أهدافها فى روسيا، وتفنى الحياة على الجانبين.
تصف «جاكوبسون» تلك المشاهد المتخيلة فى سيناريو كتابها فى الدقيقة الأخيرة، الدقيقة ٧٢ بعد اندلاع الحرب النووية العالمية الوحيدة على سطح الأرض. تقول وهى تصف المشهد المتخيل فى الولايات المتحدة، الذى يقابله مشهد مماثل فى روسيا وأوروبا: «ألف انفجار نووى، ألف كرة نيران نووية تتجاوز درجة حرارتها ٨٣ مليون درجة مئوية، بما يصاحبها من تساقط نووى مشع ورياح عاصفة تقتلع كل ما فى طريقها من مبان وبشر. ألف مدينة لم يعد لها أثر، بشوارعها ذات الأسفلت المنصهر، ومبانيها المحترقة، وملايين القتلى فيها. الطائرات العسكرية تحلق فى السماء حتى ينفد منها الوقود وتسقط على الأرض، والغواصات النووية الروسية أو الأمريكية التى أطلقت صواريخها لتنهى الحياة فى الطرف الآخر، تغوص لتدور فى دوائر مفرغة فى أعماق المحيط حتى تنتهى إمدادات طاقمها من الغذاء، أما الناجون القلائل فينتظرهم المصير الذى قال عنه زعيم الاتحاد السوفيتى الأسبق «نكيتيا خروتشوف»: إن الناجين سوف يحسدون الأموات.
هكذا تنتهى الـ٧٢ دقيقة التى استغرقتها الحرب العالمية النووية الأخيرة، من بدايتها لنهايتها، بعد أن تنتهى حياة مَن أصدروا الأوامر، ومَن نفذوا التعليمات بإنهاء الحياة على الطرف الآخر «المعادى» من الكرة الأرضية. كل نصف أباد النصف الآخر، وكلاهما رفض أن يذهب إلى الجحيم دون أن يجر باقى سكان الأرض معه، لأن الحرب النووية، إذا كانت تستغرق فى مجملها ما لا يزيد على دقائق فى نصف الكرة الأرضية الشمالى، فإن آثارها تقضى على باقى الحياة فيها فى موت بطىء يمتد على مدى شهور وسنوات.
تواصل «جاكوبسون» وصفها للحياة على الأرض بعد أن صمت دوى القنابل النووية ليسود بعده صمت القبور. تقول: «عبر نصف الكرة الأرضية الشمالى، فى الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا وجزء كبير من آسيا، يواصل كل شىء احتراقه بالنيران الناجمة عن الانفجارات النووية. المدن والغابات والقرى. المبانى وناطحات السحاب تحديداً بمواد البناء المستخدمة فيها تصدر نوعاً آخر من الدخان يزيد من تسمم الجو ومن أعداد القتلى. ولا إمكانية للوصول لمنابع الماء ولا لإطفاء هذا الكم الضخم من النيران التى اندلعت فى وقت واحد».
وتتابع: «ثم تبدأ حرائق الغابات، تساقط النفايات النووية يزيد من اشتعال الأشجار، مخلفاً أكواماً غير متناهية من الخشب المحترق التى تصنع ما يشبه العواصف النارية المتطايرة، معها تحترق مناجم الفحم واحتياطى البترول والغاز الطبيعى فى حرائق تدوم لشهور، وكنتاج لهذه الحرائق المختلفة والمتواصلة على امتداد الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، تتصاعد كميات كبيرة من السخام، قد يصل مقدارها إلى ٣٣٠ مليار رطل، إلى طبقات الجو العليا. هذا السخام الأسود يحجب الشمس، حيث تختفى أشعتها الدافئة من على وجه الأرض شيئاً فشيئاً. ويقول خبير المناخ «آلان روبوك»: إن كثافة هذا السخام المتصاعد سوف تقلل درجات الحرارة العالمية، ومعها يبدأ رعب جديد على الأرض اسمه «الشتاء النووى». هذا الشتاء النووى، الذى يخشاه خبراء المناخ منذ الثمانينات، قد يعنى تقليل أشعة الشمس التى تصل إلى الأرض بنسبة ٧٠٪، ولا يمكن أن تتعافى منه الأرض إلا بعد عشر سنوات على أقل تقدير.
وقبل حتى أن تنتهى هذه السنوات العشر، ستكون حياة البشر على هذا الكوكب قد انتهت.
تواصل «جاكوبسون»: «كل الحياة على الأرض تعتمد على الشمس، فالشمس تساوى الحياة. النباتات والزرع تحتاج لضوء الشمس من أجل النمو، وكل الكائنات الحية الأخرى، من إنسان وحيوان وطير، تعتمد على الزرع ليحيا. إن طاقة الشمس هى التى تحرك النظام البيئى بأكمله، وعندما تتصاعد مليارات الأطنان من السخام إلى طبقات الجو بعد تفجيرات الحرب النووية، فإن طبقة الغلاف الجوى الأكثر التصاقاً بالأرض (التروبوسفير) تتحور. هذه هى الطبقة الرئيسية التى يعتمد عليها النبات والمزروعات من أجل عمليات التمثيل الضوئى، وتضم ٩٩٪ من بخار الماء المتصاعد من الأرض. تتغير تلك الطبقة كجزء من تداعيات الحرب النووية، ومعها ينقلب مناخ الكرة الأرضية ونظامها البيئى كله فى يوم وليلة. يصبح العالم حالك الظلمة وقارس البرودة. تنخفض درجات الحرارة بشكل حاد. أكثر المناطق تأثراً بالتغير المناخى الحاد هى المناطق التى تقع بين دائرتى عرض ٣٠ درجة و٦٠ درجة من نصف الكرة الأرضية الشمالى، وهى المناطق القريبة من بؤرة الحرب النووية، وتضم الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وشرق ووسط آسيا. مع ذلك الانخفاض الحاد فى درجات الحرارة، يصبح الصيف مثل الشتاء، وتهبط درجات الحرارة فى مناطق أخرى إلى حد التجمد».
هذا التجمد سيمتد أيضاً إلى المسطحات المائية الكبرى، كما تضيف «جاكوبسون»: «فى أقصى الشمال، فإن المحيط المتجمد الشمالى سوف تمتد وتتزايد مساحته لأكثر من النصف، حوالى ٤ ملايين ميل مربع، وستتجمد السواحل فيما يطلق عليه العلماء «العصر الجليدى النووى الصغير»، لكن خطر التجمد ليس هو الخطر الوحيد الذى يهدد بقاء الناجين من الحرب النووية، إذ ما زال خطر التسمم الإشعاعى قائماً، خاصة مع استمرار التساقط النووى للنفايات المشعة من بقايا الحرب التى قضت على الملايين وتستعد للقضاء على ملايين أخرى، والتسمم الإشعاعى من أكثر طرق الموت إيلاماً، ومَن ينجحون فى الاستمرار على قيد الحياة سيعانون من العمى أو من العقم، ما سيقلل من إمكانية تكاثر الجنس البشرى بعد الكارثة، ويتصارع من تبقى من البشر على موارد الغذاء والماء القليلة التى لم يصبها التلوث الإشعاعى بعد».
هى صورة تشبه صور الأفلام التى تتناول ما بعد نهاية العالم، حيث يزداد البشر توحشاً فى مواجهة عالم لم يعد قابلاً للحياة. ترسمها «جاكوبسون» لا استناداً على خيالاتها ومخاوفها وإنما على تقديرات علماء المناخ والبيئة الذين يتقدمون صفوف كل من ينادون بخطر انتشار الأسلحة النووية التى تتلاعب بها سياسات الدول العظمى، لكن تلك الدول العظمى لن تدفع وحدها ثمن تلاعبها بالنار النووية، بل إن شعوب المناطق الأخرى تدفع ثمناً أكثر فداحة لأنها تعتمد فى صادراتها وإمداداتها الغذائية على سلاسل الإمداد التى تأتيها من الشمال الذى تعرض فى سيناريو «جاكوبسون» لفناء شبه تام بعد الحرب النووية العالمية الوحيدة والأخيرة.
لكن إذا كان نصف الكرة الشمالى «محظوظاً» بملاقاة موت سريع، مهما كان مؤلماً بسبب القنابل النووية، فإن ما ينتظر باقى العالم هو احتضار بطىء بسبب المجاعة والتصارع على الموارد القليلة الباقية، لأن من أقسى الكوارث التى تنجم عن الحرب النووية نهاية الزراعة.
تقول «جاكوبسون»: «إنه لأكثر من ١٢ ألف عام، كان البشر يعتمدون على الزراعة من أجل البقاء. الزراعة نفسها تعتمد على النظام البيئى لكوكب الأرض لكى تنتج الغذاء وعلى إمدادات المياه التى يحيا عليها البشر والحيوان والنبات. لكن، عندما تأتى تلك الشهور المظلمة التى يحتجب فيها ضوء الشمس وتنخفض فيها درجات الحرارة إلى ذلك البرد القارس خلال الشتاء النووى، فإن النظام البيئى لكوكب الأرض يعانى تداعيات أخرى كارثية للحرب النووية العالمية، إذ تنخفض نسبة مياه الأمطار إلى النصف، وهذا وحده يعنى نهاية الزراعة وموت المحاصيل. قبل اندلاع الحرب، كانت اللحوم والمواشى يتم تربيتها فى مزارع، ويتم شحنها عبر سلاسل الإمداد إلى مراكز التوزيع ومنافذ البيع. وكانت الحبوب والبقوليات ضمن المحاصيل التى يتم تخزينها محلياً فى المدن والقرى. بعد الحرب النووية، وعندما تتوقف وسائل النقل والمواصلات، حيث لا وقود ولا مصادر طاقة يمكن الاعتماد عليها كى تتحرك الناقلات والشاحنات ووسائل النقل الأخرى، يتوقف كل ذلك. وحتى الحبوب التى كان يتم تخزينها تتعرض للفساد أو العفن أو التجمد أو الاحتراق أو التسمم الإشعاعى المباشر».
تلك النهاية المأساوية للزراعة لا تعنى أن البشرية سوف تعود خطوة واحدة للوراء لمرحلة جمع الثمار والصيد البرى والبحرى كما كان سائداً فى العصور الأولى، لأن الثروة السمكية بدورها ستنهار بعد الحرب النووية. تقول «جاكوبسون»: «إن البحيرات والأنهار المتبقية التى لم تتعرض للتجمد بسبب الشتاء النووى تعانى من تلوث النفايات والجثث الملوثة التى ستجد طريقها إليها، وتضاف إليها كارثة أخرى تبدأ فى الولايات المتحدة، وهى أن مصافى البترول والغاز الطبيعى التى تم تدميرها فى الانفجارات النووية قد نتج عنها ملايين الأطنان من النفايات الكيماوية السامة التى ستجد طريقها إلى الأنهار والمسطحات المائية، وتنتهى حياة الكائنات البحرية والثروة السمكية فى الأعماق. بعد الحرب النووية فإن سلسلة الغذاء كلها سوف تنكسر، فلا شىء جديد يمكن أن ينمو بغير ضوء الشمس، ولا شىء يمكنه أن يحيا فى برد وظلام الشتاء النووى».
هل هذا الشتاء سوف يلتهم كل بقاع الأرض؟ تقول «جاكوبسون»: «باستثناء بقاع محدودة جداً فى نصف الكرة الجنوبى، فى مناطق مثل أستراليا ونيوزيلاندا والأرجنتين وأجزاء من باراجواى فى أمريكا الجنوبية، فإن الأرض كلها تغرق فى مجاعة طاحنة. هذه هى النتيجة التى توصل إليها عام ٢٠٢٢ عشرة علماء يعملون عبر أربع قارات لإعداد ورقة بحثية أكدوا فيها: إن أكثر من خمسة مليارات إنسان سوف يموتون بسبب اندلاع الحرب النووية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا».
لكن الشتاء النووى ليس هو الفصل الأخير لنهاية الحياة على الأرض، فبعد قسوة الجليد والثلج، يأتى جحيم جديد من الشمس التى لن تعود أبداً كما كانت قبل الحرب النووية، فى صورة تلك القوة الحيوية الدافئة التى تمد الأرض كلها بالحرارة اللازمة لاستمرار الحياة.
تواصل «جاكوبسون»: «بعد عدة أشهر (قد تصل فى بعض التقديرات إلى عشر سنوات)، تبدأ حدة البرودة تقل، وكذلك الظلمة الناتجة عن الشتاء النووى، وتنخفض حدة تأثيرات الضباب الإشعاعى الناتج عن الحرب النووية. تعود أشعة الشمس لتشرق من جديد على الأرض، ومعها تأتى كارثة من نوع جديد: لقد صارت أشعة الشمس فوق البنفسجية الآن أشعة قاتلة للحياة على الأرض. لملايين السنوات، كانت طبقة الأوزون فى الغلاف الجوى تعمل كطبقة حماية للكائنات الحية على الأرض من أضرار أشعة الشمس فوق البنفسجية، لكن هذا الأمر قد انتهى بعد الحرب النووية. إن الانفجارات والعواصف النارية الناتجة عن التفجيرات النووية قد نتج عنها اندفاع أطنان من أوكسيد النايتروس حتى طبقات الجو العليا، وكنتيجة لذلك، فإن أكثر من نصف طبقة الأوزون سوف يتآكل على امتداد العالم، ولن يكون أمام الناجين سوى الاختباء تحت الأرض لتفادى أضرار أشعة الشمس التى لم يعد هناك حاجز حماية بينها وبينهم».
وتتابع: «أما فوق سطح الأرض التى تضربها أشعة الشمس الحارقة بلا حواجز حماية، فإن الأمور تزداد سوءًا. يبدأ عصر الذوبان الكبير للجليد الذى كان يغلف كل شىء فى الشتاء النووى، بما فى ذلك ذوبان الجليد عن ملايين الجثث المتجمدة التى لم تجد من يدفنها وصارت تتعفن الآن بانكشافها فى الشمس. فى البداية كان هناك صقيع ومجاعة تقضى على ما تبقى من الحياة على الأرض بعد الحرب النووية، والآن صارت هناك شمس محرقة تملأ الجو بالأمراض والطاعون. يصبح ذلك المناخ الحار بعد الشتاء النووى بيئة خصبة لانتشار الأمراض خاصة تلك التى تنتقل من خلال الحشرات. إن الحشرات أقل عرضة للتأثر بالإشعاعات النووية عن الفقريات، وبدورة حياتها القصيرة ودورة تكاثرها المتسارعة، تنتشر الحشرات الطائرة والزاحفة وتتكاثر بسرعة رهيبة. معظم الأجناس التى كانت تقتات على هذه الحشرات وتحافظ بذلك على توازن الأرض البيئى مثل الطيور، قد انقرضت وماتت بسبب البرودة القارسة والظلام الذى ساد الأرض خلال حقبة الشتاء النووى، فلما عادت أشعة الشمس، جابت معها موجات متلاحقة من الأوبئة التى تنتقل من خلال الحشرات مثل التيفوس والتهاب الدماغ السحائى وغيرها».
كيف سيكون شكل الحياة على الأرض إذن؟، وفقاً لـ«جاكوبسون»، فإن هذه الفترة من عمر الأرض، سوف تشهد تحوراً بيئياً أو ما يشبه نقطة التحول فى تاريخ تطور الكرة الأرضية، لا تقل حدة وجذرية عن تلك التى عرفتها الأرض من ٦٠ مليون عام، عندما ارتطم بها نيزك هائل الحجم أدى إلى انقراض أشكال عديدة للحياة على سطحها كان أشهرها الديناصورات. فى مرحلة ما بعد الحرب النووية، فإن الأجناس التى ستكتب لها الحياة هى الأنواع صغيرة الحجم سريعة التكاثر مثل الحشرات، بينما الأنواع الأكبر حجماً مثل البشر، سوف تعانى للحفاظ على بقائها حتى لا تصل إلى مرحلة الانقراض.
لقد قلب كتاب «آنى جاكوبسون» الدنيا منذ صدوره فى الأسواق الأمريكية والأوروبية وحتى اليوم. كل من قرأه لم يكن يتصور أن الصورة قاتمة إلى هذا الحد، ولا أن التداعيات كارثية إلى هذه الدرجة. المعلومات والشهادات والحقائق والأرقام الواردة فيه أثارت لدى من قرأها صدمة بالغة، والنتائج المخيفة التى توصل إليها علماء أخذوا على عاتقهم مهمة استشراف هذا المستقبل الأسود الكئيب للحياة على الأرض بعد اندلاع الحرب النووية، أثارت الهلع بأشد مما لو كانت تلك الحرب قد اندلعت بالفعل.
ليتها كانت مجرد مبالغات، ليتها كانت مجرد خيالات لصناع الترفيه والرعب فى الأفلام الأمريكية. ليتها كانت مجرد كتاب يستهدف تصدر قائمة أكثر الكتب مبيعاً بإثارة مخاوف لا يصدقها إلا المراهقون. لقد كتبت «جاكوبسون» سيناريو كتابها المفزع وهى تستهدف إفاقة القائمين على صنع السياسات العالمية، والمؤثرين فى عملية صنع القرار الدولى، وكل من يملك كلمة أو نفوذاً أو تأثيراً على من يمكنه تعديل المسار. تناشد الكل أن يضغطوا ليوقفوا هذا السباق الجنونى للتسليح النووى. تناشد الكل أن يزيدوا القيود على اللجوء إلى استخدام أو تطوير الأسلحة النووية، ألا يتحول الأمر إلى تهديد للآخر ولو بالإشارة والتلويح والكلام، لا لصالح دولة أو قوة بعينها، وإنما لصالح كوكب كامل، وجنس بشرى يمكنه أن يصبح فعلاً فى خطر الانقراض بسبب جنون وتهور جزء واحد منه.
كل تطوير ونشر للأسلحة النووية، أياً ما كان الطرف الذى يسعى إليه، هو خطوة فى طريق النهاية، هذه هى الحرب الوحيدة التى يمكن أن يتأكد كل طرف يطلق سلاحه فيها أن هذا السلاح سيرتد إلى صدره، وأن كل ضربة يضربها فى أرض العدو ستكون بمثابة ضربة يوجهها لأرضه هو. كل نتائج المحاكاة التى تتخيل الصورة التى يمكن أن تنتهى بها الحرب النووية تؤكد أنها حرب لا تنتهى إلا بنهاية الجميع، هى الحرب الوحيدة التى لن يجد فيها أحد سبيلاً للفوز.
يوماً ما، لو قامت الحرب النووية وكتبت بها نهاية الحياة كما نعرفها اليوم على كوكب الأرض، فربما يأتى من بعدنا مَن يدرسون بقايا تلك الحياة التى كانت قائمة عليها، كما يدرس علماء الطبيعة اليوم هياكل الديناصورات التى انقرضت. ربما سيتساءل هؤلاء فى المستقبل عمن كانوا يعيشون ذات مرة على هذه الأرض، وما الذى حدث لهم، وأى جنون دفعهم لتطوير مثل تلك الأسلحة التى وضعت حداً لوجود جنسهم كله. أو ربما يفيق العالم قبل فوات الأوان، ويجد العقلاء فيه طريقة للحفاظ على الحياة بدلاً من إهدار المليارات لتطوير وسائل تدميرها، لأن الحياة لا يمكن لها أبداً أن تستقيم وتستمر، وفيها مَن يرى أن الآخر يمثل تهديداً وجودياً له، لا يمكن التعامل معه إلا بالاستعداد فى أى لحظة لمحوه من الوجود، حتى لو ترتب على ذلك محو الوجود كله معه.
هذه لا يمكن أن تكون الطريقة التى تنتهى بها الحياة على الأرض، ولا الطريقة التى تكتب بها نهاية القصة.