العرب وجريمة القرن

محمد صلاح

محمد صلاح

كاتب صحفي

جاء خبر تبنى الجامعة العربية للرؤية المصرية السعودية المشتركة حول الأمن والتعاون بالمنطقة العربية كنسمة صيف باردة وسط أجواء دولية وإقليمية مشتعلة، ولمحة أمل تبحث عنها الشعوب العربية لتحقيق التوازن الإقليمى المفقود، الذى انعكس سلباً على حالتى السلم والاستقرار، وأدى إلى عربدة إسرائيلية غير مسبوقة فى التاريخ الحديث ضد عدد من الدول العربية، وعلى رأسها الأوضاع الكارثية فى قطاع غزة.

تم اعتماد هذه الرؤية أثناء الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب.

والجميل فى التفاصيل أن الموافقة جاءت بإجماع الأعضاء، وهى من المرات القليلة التى لا تتم فيها عرقلة جهود المؤسسة الإقليمية الأهم فى مجابهة التحديات والتهديدات الوجودية الخطيرة، التى تعصف بجميع الدول العربية، وتبعث برسالة مهمة للعالم أن العرب لم يتخلوا عن القضية الفلسطينية، وأنهم لن يقبلوا المساس بسيادتهم وأمنهم القومى المشترك، وأن أى إجراء يخالف الشرعية الدولية وإقرار حل الدولتين لن يعوَّل عليه، وأن الخيارات المطروحة على الطاولة صارت التسوية الشاملة أو أن تذهب المنطقة برمتها إلى المجهول!

تواكبت الرؤية المصرية السعودية مع عدد من التحركات والزيارات الودية التى جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسى بعدد من قادة الدول العربية الشقيقة، وعلى رأسهم الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية، والأمير محمد بن سلمان، ولى عهد المملكة العربية السعودية، وهى زيارات غلب عليها الطابع الودى والأخوى، وكأنها رسالة للعالم بأن مصر ليست وحدها فى مواجهة مخططات التهجير وتصفية القضية الفلسطينية.

كما تزامنت الرؤية مع تحرك إماراتى جرىء ومهم؛ حيث أعربت دولة الإمارات عن رفضها الواضح والصريح لخطط ضم الضفة الغربية لدولة الاحتلال الإسرائيلى بالمخالفة للقانون الدولى، وأنها تعتبر هذا الإجراء خطاً أحمر يهدد سلامة واستقرار المنطقة، ما يعنى أن الدول العربية قد قررت التحرك المشترك عبر آليات متعددة لمنع ما يمكن أن نطلق عليه جريمة القرن فى فلسطين.

لا يقف الاجرام الإسرائيلى على الإصرار على مخالفة قرارات الشرعية الدولية، وتجاهل جميع النداءات الدولية التى تطالب بوقف إطلاق النار، بل امتد ليشمل الإسراف فى القتل، والاستمرار فى تدمير البنى التحتية، وحصار الفلسطينيين ومنعهم عن الطعام والشراب، والتوسع فى ضم الأراضى الفلسطينية فى الضفة الغربية، والاستمرار فى ارتكاب جميع جرائم الحرب التى ينص عليها القانون الدولى، ووصل إلى التهديد الضمنى باحتلال أراضى دول عربية جديدة.

إن العجز والضعف الذى يعانى منه المجتمع الدولى بجميع مؤسساته وآلياته وقوانينه فى التعامل مع جريمة القرن يرقى ليكون شهادة وفاة لهذا النظام الدولى، ويؤكد فشله فى تحقيق أهدافه الرئيسية التى قام من أجلها، وهى منع الحروب واحترام القوانين الدولية وسيادة الدول، وهو أمر خطير يضرب السلام والاستقرار فى الإقليم والعالم فى مقتل، ويدفع بجميع الأطراف نحو صدام دولى مدمر لن ينجو منه أحد، ومن العبث أن يظن أحدهم أنه سيكون بمنأى عن تبعات هذا الدمار والخراب.

المرحلة التى تمر بها المنطقة العربية اليوم لم تبقِ للجميع خيارات كثيرة فى مواجهة ما يحدث، صحيح أن الدول العربية قد اختارت السلام الشامل، لكن هذا لا يعنى أبداً أنها لا تمتلك خيارات أخرى للدفاع عن مصالحها وسيادتها وشعوبها، يمكن للعرب أن يدخلوا فى معارك أخرى بجانب معركة التنمية، ليس هذا فحسب، بل يمكنهم أيضاً أن يفرضوا إرادتهم السياسية المتوافقة مع القانون الدولى وقتما أرادوا، وما الرؤية المصرية السعودية إلا دليل واضح على جدية العرب هذه المرة، وأن تكامل العرب وتوافقهم هو الطريق الوحيد لمنع جريمة القرن.