حلم «الشرق الأوسط الجديد».. رؤية إسرائيلية تصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا
حلم «الشرق الأوسط الجديد».. رؤية إسرائيلية تصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا
كتبت: دينا أبوزهرة
منذ توقيع «اتفاقات أبراهام» عام 2020، حاولت إسرائيل تقديم نفسها باعتبارها مركز مشروع إقليمى جديد، عنوانه التكامل الاقتصادى والأمنى والسياسى، ورمزه «الشرق الأوسط الجديد»، لكن هذا المشروع، الذى بدا للحظة كأنه يجد دعماً من قوى دولية وإقليمية، تعرض لـ«زلزال عاصف»، مع اندلاع حرب غزة فى السابع من أكتوبر 2023، فمنذ ذلك التاريخ، لم يعد ممكناً الحديث عن سلام اقتصادى أو تطبيع سلس، بل عن حرب مفتوحة على 8 جبهات متداخلة، تمتد من قطاع غزة إلى لبنان وسوريا وإيران، مروراً بالضفة الغربية، وانتهاءً بجبهة جديدة لم تكن فى حسابات إسرائيل، ممثلة فى جبهة الرأى العام والدبلوماسية الدولية، وفق ما جاء فى تقرير نشرته مجلة «نيوزويك» هذا الأسبوع.
وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أنه فى قلب هذه المعركة، يقف بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى، الذى جاء إلى الأمم المتحدة قبل الحرب بأسابيع، ليعرض خرائط تعيد رسم حدود المنطقة، على ضوء «اتفاقات أبراهام»، متحدثاً عن إمكانية ضم السعودية إلى دائرة التطبيع، ومروّجاً لفكرة «شرق أوسط ينعم بالسلام والازدهار»، غير أن الهجوم المفاجئ لحركة «حماس»، وما تبعه من حرب دامية، بلغت حد الإبادة الجماعية، قلب الطاولة رأساً على عقب، ليعيد إسرائيل إلى نقطة البداية فى مواجهة معقدة، تحكمها اعتبارات التاريخ والجغرافيا والتحالفات المتشابكة.
يمثل قطاع غزة الجبهة الأولى والأكثر اشتعالاً، فمنذ هجوم السابع من أكتوبر، دخلت إسرائيل حرباً تعتبرها وجودية، محددة ثلاثة أهداف رئيسية، تتمثل فى إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، وتدمير القدرات العسكرية لحماس، ثم فرض سيطرة أمنية مستدامة على قطاع غزة لمنع أى تهديد مستقبلى، لكن تحقيق هذه الأهداف بدا بعيد المنال، رغم مرور شهور من العمليات العسكرية المكثفة، فحركة حماس، ورغم الضربات المدمرة التى طالت البنية التحتية للقطاع، أظهرت قدرة على الصمود والقتال بأساليب حرب المدن والأنفاق، ومع كل جولة قصف أو اجتياح برى، كان الثمن الإنسانى يرتفع بصورة غير مسبوقة، حيث وجد المدنيون الفلسطينيون أنفسهم بين مطرقة الهجمات الإسرائيلية، وسندان الحصار ونقص الغذاء والدواء، ورغم محاولات الوسطاء الدوليين فرض هدنة إنسانية، أو وقف دائم لإطلاق النار، يتمسك «نتنياهو» برؤيته القائلة إن أى هدنة طويلة قبل تحقيق الأهداف، تمثل هزيمة لإسرائيل، لكن واقع الميدان يشير إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
«نيوزويك»: تل أبيب تستغل «حرب غزة» لفرض «تغييرات جوهرية» على عدة جبهات.. و«نتنياهو» لا يلتفت للانتقادات
ووفقاً لتقرير «نيوزويك» فإن الجبهة الثانية تتمثل فى لبنان، حيث دخل «حزب الله» المواجهة منذ اليوم الثانى للحرب، عبر إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل، هذه الجبهة حملت دلالات رمزية وعسكرية فى آن واحد، فالحزب، الذى قاد المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلى للبنان، أراد أن يؤكد أن «غزة ليست وحدها»، فيما ردت إسرائيل بهجمات جوية ومدفعية، طالت مواقع عسكرية وأحياناً مدنية داخل لبنان، ورغم محاولات التوصل إلى تفاهمات لوقف النار، ظل الوضع قابلاً للانفجار فى أى لحظة، فالحزب يصر على التمسك بسلاحه، باعتباره جزءاً من «معادلة الردع»، فيما ترى قوى لبنانية داخلية أن هذا السلاح يجلب الويلات على البلد الغارق أصلاً فى أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وبين ضغوط الداخل اللبنانى، ومواجهات الحدود، تبقى هذه الجبهة مصدر قلق دائم لإسرائيل، وتهديداً مباشراً لأى استقرار إقليمى.
أما على الجبهة السورية، فقد شكّل سقوط نظام بشار الأسد حدثاً مدوياً غيّر معادلات المنطقة، ومع وصول أحمد الشرع إلى منصب الرئيس المؤقت، بدا وكأن صفحة جديدة قد تُفتح، خصوصاً بعد إعلانه التخلى عن النهج الجهادى، لكن الواقع على الأرض أظهر أن الميليشيات المتطرفة ما زالت موجودة وتستهدف الأقليات، ما أعاد إنتاج التوترات الداخلية، وبالتالى فإن إسرائيل من جانبها، لم تتوقف عن متابعة ما يجرى فى سوريا بحذر شديد، وواصلت شن ضربات متقطعة على مواقع تقول إنها مرتبطة بإيران أو حزب الله قرب الحدود، ورغم الحديث عن اتفاقيات هدنة تستند إلى خطوط ما بعد حرب 1973، فإن المشهد السورى ما زال أبعد ما يكون عن الاستقرار، مع خطر عودة التنظيمات الجهادية فى أية لحظة.
الجبهة الرابعة هى الضفة الغربية، حيث يتصاعد العنف بشكل شبه يومى، فالحكومة الإسرائيلية تعمل على تمديد المستوطنات على حساب الأراضى الفلسطينية، رغم الانتقادات الدولية، وخاصة من دول المنطقة، كما تتزايد الاحتكاكات بين المستوطنين والفلسطينيين يوماً بعد يوم، وداخل باحات «المسجد الأقصى»، وفى شوارع وأحياء البلدة القديمة بالقدس المحتلة، فيما تواصل السلطة الفلسطينية فقدان قدرتها على السيطرة الكاملة، هذا الوضع يجعل الضفة بؤرة توتر قابلة للانفجار، ويقوّض أى حديث عن حل الدولتين، أو تسوية سياسية فى المدى المنظور.
ووفق تقرير «نيوزويك»، تمثل إيران الجبهة الخامسة، وربما أخطر الجبهات بالنسبة للحلم الإسرائيلى فى إعادة تشكيل «الشرق الأوسط الجديد»، ففى «حرب الـ12 يوماً»، تبادلت إسرائيل وإيران الضربات المباشرة، فى سابقة خطيرة، عكست حجم التوتر بين الجانبين، وشاركت الولايات المتحدة الأمريكية بدورها عبر ضرب منشآت نووية إيرانية، بينما ردت طهران بهجمات سيبرانية وصاروخية، ورغم التوصل إلى هدنة أنهت المواجهة، ترى إسرائيل أن معركتها مع إيران ليست حول النفوذ الإقليمى فحسب، بل معركة وجودية تتعلق ببرنامجها النووى، وقدراتها الباليستية، أما طهران فترى أن صمودها فى وجه الضغوط والعقوبات دليل على قدرتها على الاستمرار فى لعب دور محورى بالمنطقة، مهما كانت التكاليف.
إلى جانب هذه الجبهات الخمس، هناك جبهات أخرى لا تقل أهمية، ففى البحر الأحمر والخليج، الجبهة السادسة، تتصاعد التوترات بين إسرائيل وحلفاء إيران، حيث استُهدفت سفن تجارية ومنشآت نفطية، ما يعكس هشاشة خطوط التجارة العالمية، وفى العراق واليمن، الجبهة السابعة، تلعب الميليشيات الموالية لطهران دوراً فى تهديد المصالح الإسرائيلية والغربية على حد سواء.
لكن الجبهة الأحدث والأكثر إرباكاً لإسرائيل، بحسب الصحيفة الأمريكية، هى ما يسميها المسئولون الإسرائيليون «الجبهة الثامنة»، أى معركة الرأى العام والدبلوماسية، فإسرائيل، التى طالما تمتعت بدعم غير محدود من الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية، باتت تواجه اليوم موجة انتقادات غير مسبوقة، بسبب حرب غزة، ففى الجامعات الأمريكية والأوروبية، تتصاعد المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، فيما تزداد الضغوط على الحكومات الغربية لوقف الدعم غير المشروط لتل أبيب، وعلى المستوى القانونى، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق «نتنياهو» ووزير دفاعه السابق، فى خطوة وصفت بأنها تاريخية وغير مسبوقة، أضافت أبعاداً أخلاقية وقانونية جديدة للصراع.
وتختتم «نيوزويك» تقريرها بالقول إنه هكذا يتضح أن «حلم الشرق الأوسط الجديد»، الذى بشّر به «نتنياهو»، لم يعد مجرد مشروع اقتصادى أو رؤية سياسية، بل تحول إلى معركة مفتوحة على ثمانى جبهات، من غزة التى تنزف يومياً، إلى لبنان حيث يلوح شبح حرب شاملة، مروراً بسوريا، التى لم تستقر بعد، وصولاً إلى إيران، التى تمثل تحدياً استراتيجياً طويل الأمد، تواجه إسرائيل واقعاً مختلفاً تماماً عن الصورة التى حاولت تسويقها قبل عام واحد فقط، أما الجبهة الثامنة، فهى تذكير بأن الحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل أيضاً بالقدرة على كسب الرأى العام والشرعية الدولية، وبين خطاب القوة، وحقائق الجغرافيا والتاريخ، يبقى السؤال مفتوحاً: «وسط كل هذه الجبهات المشتعلة، وحقائق التاريخ والجغرافيا، هل تستطيع إسرائيل فرض رؤيتها لشرق أوسط جديد؟».