حرب الجواسيس.. لماذا يمحو الزعماء آثارهم بعد اللقاءات الدولية؟

كتب: أمنية سعيد

 حرب الجواسيس.. لماذا يمحو الزعماء آثارهم بعد اللقاءات الدولية؟

حرب الجواسيس.. لماذا يمحو الزعماء آثارهم بعد اللقاءات الدولية؟

بعد لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين، كشفت لقطات فيديو عن إجراءات أمنية صارمة وغير عادية قام بها موظفو الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، فبمجرد انتهاء اللقاء، شوهد الموظفون وهم يمسحون بعناية كل شيء لمسه كيم، في خطوة يرى فيها المحللون محاولة لإخفاء أي دليل حول صحته من عيون الجواسيس الأجانب، ورغم محاولات إظهار صداقة ناشئة بين الزعيمين، فإن هذه الإجراءات تؤكد على القلق العميق من التسريبات الاستخباراتية.

إجراءات صارمة للحفاظ على الحمض النووي للرؤساء

وعلى منصة تليجرام، نشر مراسل الكرملين، ألكسندر يوناشيف، مقطعاً يظهر فيه اثنان من موظفي الزعيم الكوري كيم وهما ينظفان الغرفة بعناية فائقة، وشمل التنظيف مسند ظهر الكرسي، ومساند ذراعيه، وحتى طاولة القهوة المجاورة، كما جرى إزالة كوب الشرب الخاص بالزعيم، في إشارة واضحة إلى محو أي أثر يمكن أن يتركه خلفه، وعلّق يوناشيف على المقطع قائلًا: «بعد انتهاء المفاوضات، قام الطاقم المرافق لرئيس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بتدمير كل أثر لوجود كيم بعناية»، بحسب ما ذكرت وكالة «رويترز».

وهذه الإجراءات ليست جديدة على كيم، فوفقًا لصحيفة «نيكي» اليابانية، نقلًا عن وكالات استخبارات كورية جنوبية ويابانية، قام كيم في رحلاته السابقة بوضع مرحاض خاص على متن قطاره لتجنب ترك أي عينة يمكن تحليلها، ويؤكد الخبير في شؤون كوريا الشمالية مايكل مادن أن هذا الإجراء هو بروتوكول أمني متوارث منذ عهد والد كيم؛ كيم جونغ إيل، وأوضح مادن أن المرحاض الخاص وأكياس القمامة المصممة بعناية تهدف لمنع أي وكالة استخبارات أجنبية من الحصول على عينات يمكن أن تكشف عن حالته الصحية، بما في ذلك علامات الشعر والجلد.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها رصد هذا السلوك الأمني الاستثنائي، ففي عام 2019، بعد قمة هانوي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شوهد حراس كيم وهم يحجبون أرضية غرفة الفندق وينظفونها لساعات، وأخرجوا بعض الأشياء مثل مرتبة السرير، وفي عام 2018، قبل لقائه بالرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن، قام الحراس بمسح كرسي ومكتب بمطهر، كما شوهد فريق الأمن الخاص به في قمة عام 2023 مع بوتين وهو يفحص الكرسي بجهاز كشف المعادن ويمسحه بمطهر قبل أن يجلس عليه كيم، مما يؤكد أن كل حركة وتفصيلة في حياة الزعيم الكوري الشمالي محكومة ببروتوكولات أمنية صارمة.

حقيبة فضلات بوتين

وليس الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون هو الوحيد الذي يحيط حمضه النووي بإجراءات أمنية مشددة، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتبع طقوسًا مماثلة، فخلال إحدى القمم التي جمعته بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ألاسكا، زُعم أن فريق بوتين الأمني كان يحمل ما أطلق عليه المراقبون «حقيبة البراز».

وهذه الحقيبة، وفقًا للتقارير، هي حاوية مغلقة مصممة خصيصًا لجمع ونقل براز بوتين إلى موسكو، والهدف من هذا الإجراء هو منع أي جهة أجنبية من الوصول إلى عينات الرئيس البيولوجية، وبالتالي حمايتها من أي فحص قد يكشف عن حالته الصحية، فالتعليمات واضحة بأنّه لا يُسمح لأنظمة السباكة الفندقية، أو مجاري الصرف الصحي الأجنبية، أو حتى المختبرات الخارجية، بالحصول على أي عينات يمكن فحصها، وفي كلتا الحالتين، تعتبر عينات الحمض النووي للزعيمين ذات أهمية لا تقل عن أهمية الوثائق الرسمية، وتخضع لحماية قصوى.

إسرائيل تفحص الحمض النووي لحافظ الأسد

وفي قصة أشبه بأفلام الجاسوسية، كشف تقرير لصحيفة «صنداي تايمز» اللندنية عن عملية استخباراتية إسرائيلية فريدة من نوعها استهدفت الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، فخلال زيارته للأردن عام 1999 لحضور جنازة الملك حسين، ربما لم يكن الأسد يعلم أن المرحاض الذي أُعد خصيصًا لاستخدامه كان جزءًا من خطة محكمة نفذها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد» بالتعاون مع نظيره الأردني.

ولم يكن هذا المرحاض مجرد مرفق عادي، بل كان مصممًا بشكل خاص لجمع العينات البيولوجية للرئيس، فبدلًا من أن يؤدي المخرج إلى شبكة الصرف الصحي، كان موصولًا بوعاء مخصص لجمع العينات، وبعد دقائق من استخدام الأسد للمرحاض، نُقلت العينة المحتوية على بوله بسرعة إلى مستشفى في إسرائيل، حيث كان في انتظارها فريق من علماء الأمراض والكيميائيين لتحليلها.

خلص التحليل الطبي، وفقًا للتقرير، إلى أن الأسد، الذي عانى من نوبة قلبية وكان يعاني من مرض السكري والسرطان، لن يعيش طويلاً، فلم تؤكد العينة إصابته بالسكري وتشير إلى وجود سرطان في المسالك البولية فحسب، بل كشفت أيضًا عن نوعية الأدوية التي كان يتناولها لعلاج أمراضه، وذكرت الصحيفة حينها أن التقييم الإسرائيلي الأخير هو أن الأسد يعيش على وقت مستعار، وأن شريكًا محتملًا للسلام ربما يكون قد ضاع.

كما أشار التقرير إلى ملف طبي أعده الموساد والمخابرات العسكرية الإسرائيلية، يصف حالة الأسد بأنها متدهورة، وأنه أصبح عاجزًا إلى درجة أنه لا يستطيع العمل إلا لبضع ساعات يوميًا، وأورد التقرير أمثلة على تدهور حالته، مثل إلغائه المفاجئ لرحلة إلى موسكو وغيابه عن جنازة الملك الحسن الثاني في المغرب، ونقلت الصحيفة عن رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلي السابق، داني شوهام، قوله إن الأسد يدخل المستشفى كل بضعة أشهر لاستبدال دمه، وسعى الموساد إلى التقليل من دوره في هذه العملية، واصفاً جمع عينة البول بأنه عملية روتينية لوحدة خاصة تابعة للوكالة تُعرف باسم «كيشيت».