لم يكن المشهد الذى وقع أمام السفارة المصرية فى «لندن»، حين هاجم عناصر الإخوان مبناها ووقف الأمن البريطانى متفرجاً ثم لم يتحرك إلا لاعتقال شاب مصرى حاول الدفاع عن علم بلاده، حادثاً عابراً أو تصرفاً فردياً يمكن عزله عن سياقه.
إنما كان امتداداً لمسار طويل، يتشابك فيه التاريخ بالسياسة، وتطل فيه بريطانيا من وراء الستار لتؤكد أن علاقتها بجماعة الإخوان لم تكن يوماً محض صدفة، بل كانت وما زالت جزءاً من سياسة كبرى ترى فى الجماعة أداة نافعة عند الحاجة، ووسيلة ضغط دائمة على مصر حين يشتد الخلاف أو تتباين المصالح.
وحين نعود إلى البدايات الأولى للعلاقة بين بريطانيا والتيارات الإسلامية فى المنطقة، ندرك أن الأمر لم يكن مجرد تقاطعات عابرة، وإنما كان جزءاً من هندسة دقيقة لموازين القوى.
ففى لحظة تغير موازين القوى فى العالم، ومع ظهور مقدمات ستؤدى حتماً إلى انسحاب الإمبراطورية البريطانية من مواقعها القديمة فى الشرق، كان لا بد من أدوات بديلة لإبقاء اليد حاضرة ولو من وراء الستار.
وهنا ظهر الرهان على جماعات يمكن أن تتحرك فى الفراغ، تعلن خطاباً دينياً، لكنها تخدم بالضرورة أغراضاً سياسية، ليس لها ولكن المستعمر الذى غادر مواقعه مرغما.
ومع نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، ومع ظهور ثورة يوليو وما حملته من توجهات قومية عربية، أدركت «لندن» أن «عبدالناصر» يمثل مشروعاً معادياً لمصالحها فى المنطقة، فهو يتحدث عن التحرر الوطنى، ويقود حركة عدم الانحياز، ويعادى النفوذ الأجنبى.
عندها وجدت بريطانيا فى الإخوان «الكيان الضد» الذى يمكن أن تستخدمه لإرباك الداخل المصرى، ففتحت قنواتها السرية معهم، خصوصاً فى لحظة المفاوضات على جلاء قواتها من مصر.
وهذا أمر أصبح معلوماً من التاريخ بالضرورة، والوثائق والأحداث تشهد على ذلك.
بل من أفواههم تنطق الخيانة، فيوسف القرضاوى، أحد أبرز رموز الجماعة، لم يتردد فى ذكر أنه حين استدعته وزارة الأوقاف أثناء العدوان الثلاثى ليخطب فى الأزهر دعماً للشعب، رفض. ولم ير فى محنة الوطن ما يوجب أن يتجاوز خلافاته مع النظام.
وفى الوقت الذى كانت بورسعيد تقاوم بجسارة مدافع الإنجليز والفرنسيين والإسرائيليين، كان الإخوان يوزعون منشورات - سربوها من داخل السجون - تطالب المصريين بالتخلص من «عبدالناصر» كى يتوقف العدوان.
أما زينب «الغزالى»، القيادية التى سمت نفسها «جارية حسن البنا»، فقد اعترفت فى السبعينات أنها وجماعتها فرحوا بهزيمة مصر فى العدوان الثلاثى، بل تباهت بأنهم أداروا إذاعات من «لندن» تحرض المصريين على الثورة ضد بلدهم فى خضم الحرب.
وفى الجانب الآخر من الوثائق، يكشف الكاتب البريطانى مارك كيرتس فى كتابه «العلاقات السرية» أن بريطانيا أجرت بالفعل اتصالات مباشرة مع قيادات الإخوان، داخل مصر وخارجها، أثناء العدوان، ووضعت سيناريوهات لإسقاط نظام «عبدالناصر» أو حتى اغتياله، وكانت تتعامل مع الجماعة باعتبارها مرشحة لتولى الحكم بعد الانقلاب المنشود.
برقيات دبلوماسية من عام 1957 تصرح بوضوح بأن «اختفاء نظام عبدالناصر ينبغى أن يكون هدفنا الرئيسى»، وأن الإخوان هم الأداة الأنسب لتنفيذ ذلك.
وفى الداخل المصرى، بينما كان الفدائيون يخوضون معارك بطولية ضد الإنجليز فى مدن القناة، كان المرشد الثانى حسن الهضيبى يسخر من مقاومتهم، ويأمر شباب الجماعة أن يتركوا السلاح ويعكفوا على تلاوة القرآن.
وقد علق المفكر خالد محمد خالد يومها ساخراً على تصريح «الهضيبى» فقال: «أبشر بطول سلامة يا جورج»، يقصد الإنجليز، وكأن المرشد نفسه صار «جورج» آخر يتمنى للمحتل طول البقاء.
وحين نضع هذه اللوحة أمامنا، ندرك أن ما جرى فى «لندن» بالأمس لم يكن استثناءً ولا انفعالاً عارضاً، بل استمرار لخط واحد ممتد، تحركت فيه الجماعة دائماً فى فلك بريطانيا.
الجديد فقط هو أن الزمن تغيّر، وأن أدوات السياسة البريطانية تغيرت هى الأخرى، لكن الفكرة الجوهرية بقيت كما هى: أن جماعة الإخوان تصلح أن تكون ورقة فى يد «لندن»، تُستخدم حين يقتضى الأمر، وتُحفظ حين تسقط الحاجة.
واليوم ونحن فى عالم تتقاطع فيه مصالح الدول وتتعدد فيه ساحات النفوذ، تنظر بريطانيا إلى مصر باعتبارها قوة إقليمية كبيرة لها وزنها فى ملفات حيوية، من شرق المتوسط إلى غزة، ومن ليبيا إلى ملف الهجرة غير الشرعية. ومثلما كانت «لندن» ترى فى الإخوان ورقة ضد «عبدالناصر» فى الخمسينات، فإنها تراهم الآن ورقة ضغط على الرئيس السيسى والدولة المصرية حين تتباين المواقف أو تتصاعد الخلافات.
لذلك فإن وجود الجماعة فى «لندن» لم يعد مجرد لجوء سياسى، بل هو أوراق ضغط جاهزة تُستخدم عند الحاجة.
والمفارقة هنا هو أن بريطانيا التى ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان هى نفسها التى توفر الملاذ لجماعة تمتلك تاريخاً فى العنف والاغتيالات، وتغض الطرف عن تاريخها الإرهابى.
وهكذا، فإن صورة الأمن البريطانى وهو يعتقل شاباً مصرياً دافع عن سفارته، بينما يترك عناصر الإخوان يعتدون بلا رادع، لم تكن سوى إعادة تمثيل لمشهد قديم عرفناه فى مدن القناة وفى شوارع بورسعيد. الفارق الوحيد أن المشهد انتقل من أرض مصر إلى قلب «لندن»، لكن الجوهر ظل واحداً: علاقة مشبوهة ممتدة بين جماعة تبيع الوطن، ودولة استعمارية تجد دائماً مصلحتها فى شراء هذا الولاء الرخيص.