«إيران - الوكالة».. نجاح دبلوماسية الوساطة المصرية

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

اتفاق استئناف التعاون بين إيران ووكالة الطاقة الذرية الذى تم فى القاهرة جاء تتويجاً للمسار التفاوضى بين الطرفين بوساطة مصرية إثر لقاءات واتصالات مُكثّفة قادها الأشهر الماضية وزير الخارجية بدر عبدالعاطى، أسفر نجاحها عن لقاء جمع وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسى.

دخول مصر كحلقة وصل بين الطرفين بعدما بلغت المفاوضات مرحلة متعثرة يُمثل خطوة إيجابية أخرى للدبلوماسية المصرية فى إطار العمل على خفض التصعيد فى المنطقة وتأكيد دور مصر كقوة مؤثرة فى ملفات الشرق الأوسط الإقليمية والعربية.

وانطلاقاً من حقيقة أن المتغيرات العالمية والإقليمية لطالما حكمت مستويات الصعود والهبوط فى العلاقات الثنائية، فإن مقتضيات الظرف الإقليمى الراهن بعد جموح الانتهاكات السافرة لليمين الإسرائيلى المتطرف بقيادة رئيس الوزراء نتنياهو والاندفاع نحو إشعال نيران التصعيد العسكرى فى مختلف أنحاء المنطقة، تفرض توافر لحظة سياسية مناسبة لتجاوز القضايا الخلافية وإدارتها والتشاور بشأن مستقبل الشرق الأوسط عقب انتهاء الحرب، بالنظر إلى حاجة المنطقة والإقليم إلى أكبر قدر من التعاون بدلاً من المواجهة.

تناول بعض التحليلات ما شهدته الأشهر الماضية من مؤشرات على اتخاذ خطوات أكثر تقارباً بين مصر وإيران بعد فترة تأنٍّ من القاهرة، فى إشارة إلى التقارب بين مصر والقوى الإقليمية المؤثرة «تركيا - إيران» فى الشرق الأوسط لتحقيق صيغة توازن سياسى أمام الجموح الإسرائيلى.

بين التهوين والتهويل فى طبيعة هذا التحول فى العلاقات المصرية الإيرانية الذى يعكس رغبة إيران فى الخروج من عزلتها الدولية، تحديداً بعد إضعاف الأذرع التى اعتمدت عليها فى عدة دول عربية، وتداعيات نشوب صراع مع إسرائيل، بالإضافة إلى هدف إيجاد أرضية مشتركة تربط مصالح الطرفين فى إطار واقع فرضته تحديات إقليمية.

إذ لم تعرف المنطقة أجواءً مشحونة بالتصعيد والاستقطاب كالذى تشهده حالياً. مصر بكل الحكمة والحنكة التى تدير بها القيادة السياسية مسارات السياسة الخارجية، تلقت هذه الإشارات بقدر من التأنى دون الامتناع عن التفاعل وفق مصالح الطرفين، بعيداً عن تدخلات خارجية لا ترغب فى أى صيغة لهذا التقارب.

لعل أولى بوادر استجابة مصر هى انتقال إيران من فكرة الثورة إلى فكر الدولة، ما أسفر عنه التخلى عن بعض سياساتها التدخلية فى المنطقة، والانفتاح على تحسين العلاقات الإيرانية مع السعودية ودول الخليج، ما أتاح إمكانية وضع خطوط رئيسية لطبيعة العلاقات التى ترغب مصر فى وضعها، للعمل كأرضية مشتركة مع إيران، خصوصاً أن القطيعة التى حدثت فى الماضى فقدت جدواها بحكم المتغيرات، أبرزها ظهور أهداف مشتركة على رأسها كبح جنون الاعتداءات الوحشية الصهيونية على الدول العربية وقطاعى غزة والضفة الغربية.

ركائز تطور العلاقات المصرية التركية أيضاً تتشابه فى خطوطها العريضة مع الاحتفاظ ببعض التفاصيل الأخرى. إذ بالنظر إلى البعد الاستراتيجى للدولتين وثقلهما فى الإقليم، هناك أيضاً ملفات سياسية، اقتصادية، أمنية، تربط أواصر العلاقات.

الصيغة البرجماتية الغالبة على سياسات الرئيس التركى أردوغان بالتأكيد كشفت عن حاجة تركيا إلى البحث عن منفذ للخروج من أزماتها الاقتصادية، فى المقابل مصر هى الجهة الأمثل لتوجيه الاستثمارات والمنتجات التركية، ليُسفر التطور عن إقامة مصانع مختلفة من الملابس، حتى الأدوات الكهربائية وغيرها فى المناطق الاقتصادية، حيث يسهل أيضاً عملية التصدير إلى دول العالم، بالإضافة إلى التسويق داخل مصر.

الملفات السياسية والأمنية أيضاً لعبت دوراً أساسياً فى تعزيز العلاقات، تركيا أصبحت على يقين من أن احتواء أطراف تمثل تحدياً للإرادة الشعبية واستقلالية القرار المصرى هو رهان خاسر بعدما ثبت فشل تمكين جماعة الإخوان الإرهابية داخل معظم دول المنطقة.

مصر أيضاً بحكم علاقاتها السياسية المميزة مع جميع الأطراف يمكن أن تقوم بدور الوسيط بين تركيا من طرف واليونان وقبرص من طرف آخر.

فى مسار يمثل قضية أمن قومى لمصر نجحت العلاقات المصرية التركية فى جسر الجمود فى الملف الليبى باتفاق مشترك على خروج جميع القوى غير الشرعية من ليبيا، وإنهاء وجود الميليشيات المسلحة، والحفاظ على الوحدة السياسية للدولة الليبية.

كل هذه المتغيرات دفعت الانطلاق القوى فى العلاقات المصرية - الإقليمية القائمة على تغليب المصالح الاستراتيجية، ليرتقى التقارب إلى مستوى الشراكة السياسية والاقتصادية والأمنية.