ما بعد غبار هجمات 11 سبتمبر.. قصص عربية لم تروها الكاميرات: لهيب الأبراج ونظرات الكراهية
ما بعد غبار هجمات 11 سبتمبر.. قصص عربية لم تروها الكاميرات: لهيب الأبراج ونظرات الكراهية
كانت السماء زرقاء صافية في صباح نيويورك، أجراس المدارس ترن، والطلاب يتوزعون بين الفصول، بينما موظفو المكاتب يسرعون إلى العمل، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك اليوم العادي إلى أكثر الأيام جدلًا وإثارة في التاريخ الحديث، دقائق قليلة كانت كفيلة بتغيير كل شيء: أبراج تحترق، دخان يملأ السماء، صرخات تتعالى، وأسطورة «الأمان الأمريكي» تنهار أمام أعين الملايين.
لكن وسط الغبار والنيران، كان هناك مشهد آخر يتشكل بعيدًا عن عدسات الكاميرات، وجوه عربية مسلمة متجمدة خوفًا، قلوب تنبض قلقًا على الحجاب الذي قد يستفز نظرة كراهية، ولهجة عربية قد تثير شبهة، واسم عربي قد يغلق بابًا للعمل أو الدراسة.
في تلك اللحظة لم يكن الخوف من الطائرات وحدها، بل من نظرات الجيران وزملاء المدرسة والعمل، ومن شعور الاغتراب الذي تسلل فجأة إلى حياة مواطنين عاشوا طويلًا يحلمون بالاندماج.
«نادين» و«رابعة».. قصتهما تكشف الوجه الآخر لأحداث 11 سبتمبر
من بين هؤلاء، كانت «نادين» الطالبة ذات الملامح العربية في مدرستها بواشنطن، و«رابعة» الموظفة الشابة التي شاهدت برجي التجارة ينهاران من على سطح مقر عملها في بروكلين، قصتهما تكشف الوجه الآخر لأحداث 11 سبتمبر، ليس فقط كحادث إرهابي عالمي، بل كزلزال إنساني غيّر حياة العرب والمسلمين في الولايات المتحدة إلى الأبد.
وتحل اليوم، ذكرى هجمات 11 سبتمبر، حيث وقعت سلسلة من الهجمات الإرهابية استهدفت برجي التجارة العالمي في الولايات المتحدة ومقر وزارة الدفاع الأمريكية «بنتاجون»، أدت إلى مقتل نحو 3 آلاف شخص وإصابة 6 آلاف آخرين، في واحد من ألأعنف الهجمات الإرهابية في تاريخ الولايات المتحدة، وبعدها، أعلن الرئيس الأمريكي حينها جورج بوش الابن، الحرب على الإرهاب.
عاش العرب والمسلمون في الولايات المتحدة أيامًا تعرضوا خلالها للاضطهاد، بينهم نادين حماد، هي أمريكية من أب فلسطيني، تعيش في العاصمة واشنطن، عاشت ساعات لن تنساها طوال حياتها رغم صغر سنها حينها، فبمجرد وصولها إلى الفصل الدراسي في المدرسة الثانوية، وقعت هجمات 11 سبتمبر، رأت في التلفاز مركز التجارة العالمي يحترق، لم تكن تدرك ما يحدث، لكنها سريعًا علمت بخطورة الأمر.

يوم لن ينسى
عاشت هجمات 11 سبتمبر أثناء دارستها بالمدرسة الثانوية، لن تنسى هذا اليوم الدراسي طيلة حياتها، تقول لـ«الوطن»: «كانت المدرسة تشاهد التلفاز في ذلك اليوم، الأمريكيون جميعًا كانوا يشاهدون الأخبار، استمرت عائلتنا على هذا الحال لمدة أسبوعين تقريبًا».
شعرت «نادين» بالخوف نتيجة تعرض المسلمين للاضطهاد بعد هجمات 11 سبتمبر، كانت والدتها ترتدي الحجاب بينما يتعرضون لانتهاكات وعنصرية مستمرة: «شعرت بالخوف على والدتي لأنها قد تتعرض للعنصرية والهجوم لارتدائها الحجاب، كانت تخرج متوترة عند الذهاب إلى محل البقالة مرتدية الحجاب، كما شعرت بالخوف على والدي لأنه يتحدث اللهجة العربية بطلاقة وكان مظهره عربيًا، كنا الأسرة المسلمة الوحيدة في مدينتنا».
بداية «الإسلاموفوبيا» والعنصرية ضد العرب
رغم صغر سنها أثناء وقوع الهجمات، إلا أنها كانت على دراية بـ«الإسلاموفوبيا» والعنصرية ضد العرب، وكانت تقرأ قصصًا تقول إن المسلمين يتعرضون لكافة أشكال العنصرية بعد 11 سبتمبر، حيث كانت الأمور السلبية تجاه المسلمين في ازدياد واضح: «العديد من العرب والمسلمين كانوا يرفعون الأعلام الأمريكية لإظهار التضامن والوطنية وحتى لا يتعرضون للاعتداءات، أتذكر أنني كنت أشعر بالتوتر بسبب صلاة العيد، كنا نحاول أن نقنع أنفسنا أن الأمور جيدة ولا خوف».
تحاول «نادين» تغيير الصورة السلبية عن العرب والمسلمين منذ 11 سبتمبر، وذلك من خلال إجراء محادثات مع جميع الأشخاص حول العالم وتعريفهم بطبيعة المسلمين: «إذا كان بإمكان أي شخص أن يكون منفتحًا على التعرف على المسلمين وثقافتهم، فسوف يجدهم أشخاصًا عاديين وآمنين، من السهل أن تكره أو تخاف فمن شيء لا تعرفه».
مواقف إيجابية و«جانب مشرق»
رغم ما عانته الفتاة إلا أن المواقف الإيجابية لم تخلو من الحدث التاريخي، فكان زملاؤها في الفصل ودودون معها وساعدوها على تجاوز خوفها وقلقها من تعرضها للعنصرية، تروي «نادين» موقفًا لم تنساه ودائمًا ما تتذكره: «بعد 11 سبتمبر كانت الأيام حزينة وكئيبة في المدرسة، جاءت صديقتي وقالت لي إذا عاملني أي شخص بعنصرية فأخبرها وستكون بجانبي، لن أنسى ذلك أبدًا، لكن في مقابل ذلك، كنت اسأل نفسي في كل موقف يحدث معي، هل اسمي العربي هو السبب وراء تقصير الموظف أو عدم قبولي في الوظيفة؟».
تتذكر «نادين» هجمات 11 سبتمبر، فتشعر بغضب كبير وبخيبة أمل كمسلمة أمريكية، وبالطريقة التي تعامل بها الأمريكيون والحكومة مع المسلمين حينها، كما تعرض والدها ووالدتها في العمل للعنصرية، إذ كان زملاؤهما في العمل يطلقون نكات على الإسلام والعرب: «واجه والداي العديد من الصعوبات في الشعور بأنهما غرباء في أمريكا لكنهما عملا بجد ونجحا في حياتها».
تقول أيضًا إن والدها كان يشارك في الاحتجاجات ضد العنصرية، وضد العدوان الإسرائيلي على غزة وفلسطين، كما يعد متبرعًا أيضًا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية ويساعد دائمًا العائلات المسلمة التي تحتاج إلى ذلك.

ماذا حدث؟
«غبار ينتشر في المكان وأصوات صريخ لا تتوقف ونيران تصل عنان السماء»، هكذا كان المشهد أمام أعين رابعة الذيباني، وهي يمنية ولدت في الولايات المتحدة، فكان عملها بمدينة بروكلين الملاصقة لمانهاتن بولاية نيويورك، وكان برجي التجارة على بُعد مئات المترات منها فقط، بينما تصف ذلك اليوم بأنه «غيَر حياتها وحياة المسلمين في أمريكا للأبد».
تتذكر «رابعة» التفاصيل الكاملة يوم 11 سبتمبر وهجمات برجي التجارة العالمي، كانت تعتقد أن قنبلة نووية سقطت فوق الولايات المتحدة، تحكي لـ«الوطن»، تفاصيل من الرعب كان يسيطر عليها بينما تحاول تمالك نفسها: «الانفجار وصل لنيويورك كلها، كنت بقدر أشو البرجين من مبنى عملي، كان يقع بين بروكلين ومانهاتن، كأنه فيلم رعب».
أثناء رؤية أحد أبراج التجارة يشتعل نارًا جراء الهجوم الأولي، أتت الطائر الثانية وضربت المبنى الآخر، بينما كان المشهد الثاني أمام أعين «رابعة»، تقول: «قولنا خلاص في حرب شاملة ضد أمريكا، طلعنا أنا وزملاء العمل على سطح مبنى عملنا، وبعد 5 دقائق فقط سقطت البرج بالكامل وانتشر الغبار في المدينة كلها، كان مشهد لا يصدق ولا ينسى».
تواصل معها والدها بعد دقائق من هجمات 11 سبتمبر، وطلب منها العودة إلى المنزل بأسرع وقت ممكن، كما طلب منها الذهاب إلى مدرسة أخواتها لمساعدتهم في العودة إلى المنزل، كان صوت والدها يسيطر عليه القلق، لكن التفكير في إنقاذ أبنائه كان أقوى من خوفه: «روحنا المدرسة ناخد أخواتي، وكان وقتها كل العرب والمسلمين خايفين وكلهم رايحين يجيبوا أولادهم».

البقاء في المنزل
نتيجة الانتهاكات التي بدأت منذ هجمات 11 سبتمبر ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، بقيت «رابعة» وغيرها في المنزل لمدة نحو أسبوعين، تضيف الفتاة اليمنية أن الأحداث أثرت على حياتها وعلى كل الأطفال والشباب العرب في أمريكا ذلك الوقت: «عشنا أيام في رعب، كان والدي يطلب من والدتي عدم الخروج من المنزل بالحجاب، وبالفعل خرجت بدونه، وهذا الحال ينطبق على معظم المسلمين حينها».
تقول إن بعض المواطنين الأمريكيين في نيويورك ساعدوا المسلمين والعرب، رغم العنصرية وما تعرض له المسلمين خلال هذه الفترة والتي استمرت لسنوات، كما أطلق البعض مبادرات لمساعدة المسلمين على التحرك والذهاب إلى أماكن عملهم وتلبية احتياجاتهم: «معظم أشكال العنصرية حدثت خارج نيويورك، لكن في هذه المدينة كان في التفات رهيب على العرب، بس في نفس الوقت عنصرية ورعب وخوف، كان بعضهم يعرض المساعدة علينا خاصة المحجبات».
تعود «رابعة» بالذاكرة إلى الوراء، يتفاعل قلبها مع عقلها لتترك رعشة تسري في أنحاء جسدها بينما تتذكر ذلك اليوم، وبعد مرور نحو شهر تقريبًا على الحادث، زارت المنطقة، وتصفها بأنها كانت أشبه بمقبرة، فالمشهد حتى بعد مرور أيام كان لا زال مرعبًا ومخيفًا.
نظمت اليمنية وقفة احتجاجية للتضامن مع ضحايا 11 سبتمبر، وكانت متوقعة حضور من 50 لـ100 شخص فقط، لكنها فوجئت بأكثر من ألف مواطن أمريكي: «طلبت تصريح من الشرطة الأمريكية وكتبت إن العدد المتوقع 100، لكن وجدت أكثر من 1000 شخص، نظمت هذه الفعالية خلال يومين، حجم الناس اللي تفاعلوا مع العرب وانضموا وكانوا سند لنا، شيء خلاني أؤمن إن في ناس لا زالت بها خير في هذا العالم».