«جدار من الطائرات المسيرة».. خطة أوروبية لمواجهة «الخطر الروسي الزاحف»

كتب: ندى قطب

«جدار من الطائرات المسيرة».. خطة أوروبية لمواجهة «الخطر الروسي الزاحف»

«جدار من الطائرات المسيرة».. خطة أوروبية لمواجهة «الخطر الروسي الزاحف»

لم تعد الحدود الشرقية لأوروبا مجرد خطوط جغرافية، بل تحولت إلى جبهة مفتوحة، فى صراع صامت تديره الطائرات المسيّرة، تسللات متكررة، وتهديدات غير مرئية، وإنذارات متواصلة تدفع القارة العجوز إلى البحث عن درع جديدة تحمى فضاءها من الخطر الروسى الزاحف من الشرق، فى حرب لم تعد تدار من الأرض، بل من السماء.

وسط هذا التصاعد، خرج مفوض الدفاع والفضاء فى الاتحاد الأوروبى، أندريوس كوبليوس، بدعوة لافتة، طالب فيها بإنشاء «جدار من الطائرات المسيّرة»، يمتد على طول الجناح الشرقى للاتحاد الأوروبى، ليكون بمثابة درع تكنولوجية توقف موجات الطائرات الروسية المسيرة، قبل أن تخترق المجال الجوى لدول حلف الأطلسى «الناتو»، ولا يرى مفوض الدفاع الأوروبى دعوته لإنشاء هذا الحائط الدفاعى مجرد فكرة، بل «ضرورة عاجلة»، معتبراً أن ما حدث فوق بولندا مؤخراً ليس حادثاً عابراً، بل اختبار جديد من موسكو لحدود الناتو والاتحاد الأوروبى معاً.

اختراقات «غير مسبوقة» تقرع أجراس الإنذار

وبحسب تقرير لصحيفة «نيوزويك»، فإن تحذيرات المسئول العسكرى فى الاتحاد الأوروبى جاءت بعد إعلان بولندا عن اختراق «غير مسبوق» لأجوائها بطائرات روسية مسيّرة، هى الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية قبل أكثر من ثلاث سنوات ونصف، بينما قالت القيادة العملياتية البولندية إنها تعاملت، قبل أيام، مع «انتهاك خطير» لأجواء البلاد، فيما أكد رئيس الوزراء، دونالد توسك، أن عدداً كبيراً من الطائرات الروسية دخل الأجواء البولندية، وأن الطائرات، التى مثّلت تهديداً مباشراً، جرى اعتراضها بالتعاون مع مقاتلات هولندية من طراز «إف-35» ضمن مهمة الشرطة الجوية للناتو، فيما أكدت القوات الجوية الأوكرانية، من جانبها، أن ما لا يقل عن ثمانى طائرات مسيّرة روسية عبرت من أوكرانيا إلى بولندا، خلال موجة قصف عنيف، شملت إطلاق 415 طائرة مسيرة، و42 صاروخاً مجنحاً، وصاروخاً باليستياً واحداً على الأراضى الأوكرانية.

فكرة الجدار الدفاعى فى شرق أوروبا ليست جديدة بالكامل، إذ طرحت منذ شهور كـ«درع متعددة الطبقات»، يستخدم طائرات مسيرة مضادة، وأنظمة مراقبة ذكية، وحواجز مادية على طول الحدود الشرقية، وأعلنت وزيرة الداخلية الليتوانية السابقة، أجنا بيلوتايت، فى مايو 2024، أن «حدوداً مسيرة» سيتم إنشاؤها من النرويج حتى بولندا، لتشكل حزاماً دفاعياً يمنع «الاستفزازات القادمة من دول غير صديقة»، ووفقاً لوسائل إعلام محلية، سيضم الجدار أنظمة رصد متقدمة، وحساسات حركة، وتقنيات لتعطيل الطائرات المعادية قبل دخولها المجال الجوى، إضافة إلى تعزيز البنية التحتية الأمنية، القائمة من حواجز وأسلاك وكاميرات حرارية.

ورغم أن الطائرات والصواريخ التى تدخل أجواء دول «الناتو» لم يجرِ التعامل معها، حتى الآن، باعتبارها «هجوماً مباشراً» يستدعى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، إلا أن الحوادث المتكررة قرب حدود بولندا ورومانيا، تجعل القلق يتصاعد داخل دوائر القرار الأوروبية، وهو ما دفع «كوبليوس» إلى التحذير من أن روسيا تختبر مجدداً صبر دول الاتحاد الأوروبى وحلف الناتو، فيما رأى الرئيس الأوكرانى، فولوديمير زيلينسكى، أن «الأدلة المتزايدة تشير إلى أن ما حدث لم يكن صدفة».

وفى الوقت الذى يلتزم فيه سكان المناطق الشرقية فى بولندا منازلهم، بانتظار نتائج التحقيقات، يبدو أن أوروبا تسابق الزمن لتشييد جدار غير مرئى يحمى فضاءها قبل أن تتحول التسللات الجوية إلى مواجهة مفتوحة، فـ«جدار الطائرات المسيّرة» قد يصبح قريباً أول خط دفاع أوروبى بالكامل، حيث يرى خبراء الدفاع الأوروبيون أن مشروع «جدار الطائرات المسيّرة» لا يهدف فقط إلى حماية الأجواء من الاختراقات الروسية، بل يمثل بداية سباق تسلح جديد بطابع تكنولوجى خالص، يتجاوز المفهوم التقليدى للأسلحة، إلى منظومات متكاملة من الاستشعار والتحكم والتشويش الإلكترونى.

أعداد ضخمة من الطائرات المسيرة

وأوردت «نيوزويك» عن محللين عسكريين أن طبيعة الهجمات الروسية، التى تعتمد على أعداد ضخمة من الطائرات المسيرة منخفضة الكلفة، تفرض على أوروبا تبنى مقاربة مختلفة، تقوم على بناء شبكة مترابطة قادرة على التعرف الفورى على أى جسم طائر، وتحييده قبل وصوله إلى أهدافه، ورغم أن المشروع ما زال فى طور الفكرة، إلا أن تقديرات أولية داخل المفوضية الأوروبية تشير إلى أنه قد يكلف عشرات المليارات من اليورو على مدى سنوات، نظراً لتنوع تقنياته، واتساع حدوده الممتدة من شمال القارة إلى جنوبها الشرقى، لكن مسئولين أوروبيين يرون أن كلفة بناء هذا الجدار تبقى أقل بكثير من كلفة الفوضى التى قد تخلفها ضربة جوية روسية واحدة ناجحة على أراضٍ تابعة للناتو، سواء من حيث الأرواح أو الخسائر الاقتصادية أو التداعيات السياسية على وحدة الاتحاد الأوروبى.

كما أشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن المشروع المقترح بدأ يدفع دول أوروبا الشرقية إلى تعزيز تنسيقها الدفاعى البينى، بعيداً عن الإيقاع البطىء الذى يسير به حلف الناتو، بينما تتحرك بولندا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا بالفعل لعقد اجتماعات تقنية مشتركة، لتحديد مواقع محتملة لتركيب أبراج الرادار وأنظمة الاعتراض، فى خطوة توحى بولادة شراكات أمنية جديدة داخل القارة العجوز، تحت مظلة الاتحاد الأوروبى، لكنها منفصلة عن آليات الناتو التقليدية.

فى المقابل، تحذر بعض العواصم الأوروبية من أن بناء «جدار الطائرات المسيّرة» قد يفسّر فى موسكو كخطوة هجومية، ويدفعها إلى تصعيد جديد، ويرى محللون أن روسيا قد تعتبر المشروع محاولة لتطويقها عسكرياً، ما قد يدفعها إلى زيادة وتيرة الهجمات على أوكرانيا، أو تكثيف أنشطتها الاستفزازية قرب حدود الناتو، إلا أن مؤيدى الخطة يردون بأن الصمت لم يعد خياراً، وأن عدم الرد على التهديدات الجوية سيغرى موسكو بالمضى أبعد فى خرق الخطوط الحمراء الأوروبية.


مواضيع متعلقة