حين تصير السينما صوت غزة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

تعلمنا في سنوات الدراسة ان الكلمة أقوى من الرصاصة وأن الصورة أقوى من ألف كلمة، في انتفاضة فلسطينية تحولت صورة الطفل محمد الدرة إلى أيقونة في مطلع الألفية وتحديدًا يوم 30 سبتمبر عام 2000، كان عمره 12 عاما، وظهر في مشهد أبكى العالم أجمع وهو يحتمي في حضن والده وسط تبادل لإطلاق النار في شارع صلاح الدين بقطاع غزة.

والده جمال الدرة، نجّار فلسطيني بسيط، كان عائدًا مع ابنه من السوق، وحين اندلع إطلاق النار وجد نفسه محاصرًا مع طفله.

حاول بكل ما أوتي من قوة أن يحميه بجسده، وصرخ للعالم كي يتوقف الرصاص، لكن تلك اللحظة تحولت إلى أيقونة إنسانية وصورة خالدة تجسّد معاناة الشعب الفلسطيني.

رحل محمد منذ 25 عاما، لكن صورته ما زالت محفورة في ذاكرة كل إنسان حر في هذا العالم، منذ ذلك اليوم أصبح اسم محمد الدرة رمزا للبراءة التي اغتيلت أمام الكاميرات، ورمزًا خالدًا لا يمحوه مرور السنين.

مؤخرا فازت المخرجة التونسية كوثر بن هنية بجائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية السينمائي عن فيلمها "صوت هند رجب".

لم يكن فوزها مجرد انتصار شخصي أو نجاح فني، بل تحول إلى لحظة تاريخية تفضح عجز العالم أمام مأساة متكررة، وتثبت أن السينما ليست ترفًا، بل وسيلة مقاومة لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال.

الفيلم الذي حظي بتصفيق استثنائي استمر 23 دقيقة — وهو زمن لم يسجَّل في تاريخ المهرجان من قبل — حوّل حكاية الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي قتلت عائلتها تحت القصف وبقيت وحيدة تستغيث عبر الهاتف، إلى أيقونة للبراءة المهدورة والصرخة المكبوتة.

وبعد أسبوعين، حين وُجدت هند مقتولة إلى جانب طاقم الإسعاف، صار موتها شهادة إدانة ضد الاحتلال، وحياتها القصيرة رمزًا لكل أطفال غزة.

كوثر بن هنية، المخرجة ذات الـ48 عامًا، لم تكتفِ بتقديم فيلم وثائقي أو عمل إنساني عابر، بل أعادت صياغة دور السينما كمنبر يرفع صوت الضحايا ويحرّك الوعي العالمي.

هي لم تكن يومًا بعيدة عن هذا الخط؛ فمنذ بداياتها وهي تؤكد أن السينما تستطيع أن تكون قوة مضادة للسياسات الظالمة، وأنها أداة قادرة على مساءلة العالم.

واليوم، مع "صوت هند رجب"، صارت كوثر أيقونة في السينما العالمية، ووجهًا يعكس مقاومة العرب بالصور والقصص والحقائق.

لماذا لا تكون السينما العربية أداة للمقاومة! غزة اليوم تحتاج إلى أصوات كثيرة، ليس فقط على الأرض بالسلاح أو في الشوارع بالتظاهرات، بل أيضًا في قاعات السينما التي يجلس فيها جمهور من كل الجنسيات واللغات.

الفيلم الجيد يتجاوز الرقابة، ويعبر الحدود، ويدخل المهرجانات، ويحرك الضمير الإنساني.

وها نحن نرى كيف صارت قصة هند رجب قضية عالمية، ليس عبر نشرات الأخبار، بل عبر شاشة فضية نقلت معاناتها بطريقة مؤثرة لا تُمحى من الذاكرة.

لماذا لا تتحرك الدول العربية جماعيًا لتبني مشروع سينمائي عربي مشترك يعرّي الاحتلال ويعرض قضايا فلسطين للعالم؟

الجامعة العربية لديها القدرة على تأسيس صندوق لدعم الإنتاج السينمائي الملتزم، بحيث تُنتَج أفلام بلغات متعددة، تُعرَض في أوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا، وتشارك في المهرجانات الكبرى.

فطالما أننا غير قادرين على مجاراة إسرائيل إعلاميًا أو عسكريًا، فلتكن السينما أداة تكافئ، أو حتى تتفوق، عبر تحريك الرأي العام وكسب المؤيدين.

إسرائيل تنفق مليارات على صورتها في الإعلام والفن والسينما. بينما نحن، رغم امتلاكنا طاقات بشرية هائلة ومواهب متفردة، نترك الساحة خاوية إلا من اجتهادات فردية مثل كوثر بن هنية.

نحن بحاجة إلى أن تتحول هذه النجاحات الفردية إلى مشروع استراتيجي، حيث تكون كل قاعة سينما في العالم منبرًا ينقل صوت غزة ووجع فلسطين.

فوز كوثر بن هنية يثبت أن السينما يمكن أن تكون أقوى من الرصاص، وأن صورة طفلة فلسطينية واحدة قادرة على هزّ قلوب ملايين البشر أكثر مما تفعله البيانات السياسية.

لكن حتى يتحول هذا الإنجاز إلى مسار دائم، لا بد أن نخرج من دائرة الفردية إلى فضاء العمل العربي المشترك، وأن ندرك أن الكاميرا سلاح لا يقل تأثيرًا عن البنادق والمدافع.