أمريكا.. وشيطنة الزعماء

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

لفت انتباه العالم التآزر والتفاهم الذي جرى في قمة شنغهاي بالصين بين رؤساء الصين وروسيا وكوريا الشمالية – كوريا الديمقراطية ، حسب اسمها الرسمي _ العالم مشغول بالصراع غير المعلن بين الغرب والشرق بين أمريكا وأوروبا الغربية من جانب والصين وروسيا كوريا الشمالية من جانب آخر.

الصراع متكافئ ولكن التكهن بمدى تطوره أو تصاعده لا ينبئ عن نتائجه، فالجميع هنا يمتلك أسلحة نووية، بما يكفي لتدمير العالم، ولذلك فاندلاع حرب عالمية ثالثة يعني الفناء.

العلاقات بين الصين وروسيا وكوريا تحكمها اتفاقيات دفاع مشترك منها ما هو قديم بين الصين وكوريا – عام 1961 – إبان حكم الجد كيم إيل سونج وحكم ماو تسي تونج في الصين، ومنها ما هو حديث بين رويا وكوريا.

وقد طبقت معاهدة الدفاع المشترك بين روسيا وكوريا في الحرب الروسية الأوكرانية وأرسلت كوريا جنودا وسلاحا لروسيا حسب الاتفاقية ونصوصها.

أرصد هذه العلاقة بين قوى آسيوية كبيرة في مواجهة أمريكا التي تصنع منهم صور شياطين أمام العالم. منذ أن خرجت أمريكا قوةً عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكتفِ بسطوة السلاح والاقتصاد، بل سخّرت إمبراطوريتها الإعلامية والثقافية في إعادة تشكيل وعي الشعوب وتحديد "من البطل" و"من الطاغية".

أيّ زعيم يرفض الانصياع لهيمنتها أو يسعى لنهج مستقل سرعان ما يتحوّل – في الرواية الأمريكية – إلى "وحش دموي" أو "ديكتاتور يستحق السقوط".

صنعت قائمة طويلة من الأعداء ، أولهم ستالين في الاتحاد السوفيتي ، الذي وصفه الإعلام الغربي بـ"الأخ الأكبر" وهي الشخصية الرئيسية في رواية 1984 التي كتبها في الأربعينات من القرن الماضي الإيرلندي جورج أورويل، وتيتو في يوغوسلافيا، وناصر في مصر، وهوشي منه في فيتنام، وكاسترو وتشي جيفارا في كوبا، وكيم إيل سونج وورثته في كوريا الشمالية، وسلفادور الليندي في تشيلي، وصدام حسين في العراق، وغيرهم كثير.

القاسم المشترك بينهم جميعًا هو رفض الخضوع لإملاءات البيت الأبيض، وهو ما جعلهم هدفًا دائمًا للتشويه والتآمر والانقلابات وحتى الاغتيال.

اليوم، تستمر نفس الآلية مع زعماء معاصرين مثل كيم جونج أون في كوريا الشمالية، وفلاديمير بوتين في روسيا، وشي جين بينج في الصين. في المقابل، حين يتعلّق الأمر بحلفاء واشنطن – حتى لو ارتكبوا الانتهاكات نفسها – تُقدَّم صورتهم ناعمة، مليئة بالكاريزما والشرعية.

المفارقة أن كثيرًا من الصور التي تُحجب عن العالم تكشف جانبًا مختلفًا: كيم جونج أون يُظهر عاطفة تجاه جنوده وشعبه، وبلاده رغم الحصار تظهر منظمة ونظيفة، لكنها تُختزل في خطاب غربي واحد: "دكتاتورية مظلمة، ودولة مارقة".

تتفوق أمريكا في بناء "السردية" وتصديرها للعالم: هوليوود، شبكات الأخبار العابرة للقارات، مراكز البحوث، ومنصات التواصل التي تخضع لنفوذها.

هذه القوة لا تقل فتكًا عن الطائرات والبوارج، فهي تتحكم بعقول الناس وتعيد صياغة وعي الشعوب، بحيث يصبح العدو هو من تُسميه أمريكا "عدوًا"، والبطل من تضعه هي في خانة "الحليف".

التحدي اليوم أمام الشعوب والمثقفين هو كسر هذه الهيمنة الإعلامية، وبناء وعي مستقل يُمكّن الناس من رؤية الواقع كما هو، لا كما يُرسم لهم، فالتاريخ مليء بأمثلة قادة صُنعت لهم صورة "الشيطان" فقط لأنهم رفضوا أن يكونوا أتباعًا في المنظومة الأمريكية.