«ضربة قطر».. استهدفت قلب الخليج
لم تكن زلة لسان لمندوب إسرائيل فى مجلس الأمن عندما وصف العمل الإجرامى الذى ارتكبته تل أبيب فى حق الدوحة بـ«ضربة قطر» لأنه وصفٌ بالفعل لما قامت به دولة الاحتلال يوم ٩ سبتمبر، حيث أغارت ١٥ طائرة حربية على الدوحة وقصفت مبنى فى حى سكنى بخمسة صواريخ بحجة أن بالمبنى قادة لـ«حماس»!
وظنى، وليس كل الظن إثماً، أن إسرائيل تعمَّدت -مع سبق الإصرار والترصد- ضرب قطر، بالتنسيق مع أمريكا طبعاً، حتى لو قال البعض إن قطر وأمريكا حليفتان وفى قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية بالمنطقة، وحتى لو أن قادة «حماس» موجودون فى قطر بموافقة أمريكية وإسرائيلية كما أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطرى عقب الغارة.. ولدىَّ دلائل قاطعة على «ظنى»، وهى:
- أن إسرائيل، المحترفة فى عمليات الاغتيال المخابراتية خارج حدودها، كان يمكن أن تنفذ هذه العملية الدنيئة بخطة مخابراتية، ودون أن تنتهك سيادة قطر بطائرات حربية.
- أرادت إسرائيل أن ترسل رسالة واضحة لكل دول المنطقة بأنها قادرة على أن تطلق ١٥ طائرة حربية من داخل مطاراتها إلى دولة خليجية تبعد عنها ١٦٠٠ كيلومتر اخترقت خلالها مجالات جوية لثلاث دول، دون أن تعترضها أى دفاعات جوية، رغم أن الدول الثلاث موجود بها قواعد أمريكية لحمايتها من أى اختراقات جوية عسكرية لدول أجنبية، ورغم ذلك صمتت الدفاعات الجوية أمام طائرات حربية معادية، وسمحت لها بأن تخترق المجالات الجوية وتموّن فى الهواء، وتضرب أهدافها وتعود لقواعدها سالمة غانمة. ولست هنا بصدد ذكر السيناريوهات الثلاثة التى يمكن من خلالها وصول الطائرات الحربية من تل أبيب إلى الدوحة، فبمجرد النظر للخريطة يمكن معرفة المسارات الثلاثة والدول التى انتهكت الطائرات الإسرائيلية مجالها الجوى.
- كذب الإدارة الأمريكية التى نفت معرفتها بالضربة قبل تنفيذها لأن، كما ذكرت، القواعد الأمريكية الموجودة فى دول الخليج موجودة لحماية المجال الجوى لهذه الدول، إلا إذا كانت الدفاعات الجوية فى هذه القواعد مبرمجة على الصواريخ الإيرانية فقط، فإيران لا تملك أسطولاً جوياً عسكرياً.
- وعد ترامب بأنه لن يسمح بتكرار هذه الضربة مرة أخرى، فإذا كان يملك وسائل منع تكرارها، فهذا دليل على أنه كان يملك قرار السماح بحدوثها يوم ٩/٩.
الضربة لم تكن موجَّهة لقادة «حماس» بقدر ما كانت ضربة لقلب الخليج بأكمله، فى رسالة من الكيان الصهيونى أنه قادر على الوصول إلى أى دولة، حتى ولو كانت هذه الدولة قطر، التى كانت تستضيف قادة «حماس» بناء على طلب أمريكى -إسرائيلى، وفى دولة -كما ذكرت- بها أكبر قاعدة أمريكية فى الشرق الأوسط، ودولة تربطها علاقات أكثر من ممتازة مع أمريكا، وأهدت ترامب طائرة رئاسية خاصة، ولها استثمارات فى الولايات المتحدة بمئات المليارات من الدولارات.. لكن كل هذا لم يشفع لها أن تكون بعيدة عن الغدر الإسرائيلى وتتجنب إرهاب الدولة اليهودية، لكنهم بنو إسرائيل قتلة الأنبياء، الذين لا عهد لهم.
ومخطئ من يعتقد أن هذه الضربة وليدة تخطيط عدة شهور كما ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية التى تعمل كلها بأوامر نتنياهو ولخدمة مصالحه، ولكنها بدأت منذ دقت أمريكا الإسفين بين العراق وإيران فى ثمانينات القرن الماضى، لاستنزاف مقدَّرات وموارد والقدرات العسكرية للبلدين الكبيرين، وتصوير إيران على أنها بعبع الخليج، ثم الإيعاز لصدام بغزو الكويت، لخلق بعبع جديد لدول الخليج، وإعطاء المبرر لأمريكا لإقامة قواعد عسكرية بكل دول الخليج، بحجة حمايتها من إيران أو أى اعتداء آخر، ولكن فى حقيقة الأمر كانت هذه القواعد لحماية إسرائيل ووضعها تحت أوامرها فى حال احتاجتها دولة الكيان الصهيونى الإرهابية، و«ضربة قطر» خير دليل على ذلك.
أمريكا وإسرائيل تريدان السيطرة والهيمنة على ثروات الخليج بأى طريقة، وتنفيذ مخطط إسرائيل الكبرى، وأعتقد أن القادة وزعماء الدول العربية والخليجية منتبهون لذلك.
ولعل مصر من أول الدول التى نبَّهت لذلك مراراً، ودعت إلى ضرورة التكاتف والتعاون العربى الخليجى اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً.
«ضربة قطر» أكدت أن ثروات المنطقة الهائلة وعدد سكان العرب قوة لا يستهان بها، لا بد من استخدامها لردع إسرائيل.