«رقمنة المحاكم».. حفظ إرث مصر القضائي وكتابة صفحة جديدة من الإبداع
«رقمنة المحاكم».. حفظ إرث مصر القضائي وكتابة صفحة جديدة من الإبداع
شهدت الأعوام الماضية تحقيق العديد من الإنجازات والنتائج المميزة على جميع الأصعدة فى المنظومة القضائية، لا سيما فى تهيئة البنية التحتية، وخاصة التكنولوجية منها، كذلك تسخير وسائل التكنولوجيا الحديثة فى خدمة العدالة، فضلاً عن اتباع أفضل الممارسات والمعايير لتطوير الخدمات المقدمة إلى المواطنين وتحسين جودتها بشكل مستمر، وتوفير كل ما من شأنه أن يعزز مبدأ سيادة القانون وثقة المجتمع، والمساواة وتعزيز مبادئ تكافؤ الفرص والشفافية وحماية الحقوق والحريات.
وحسب خطة وزارة العدل، فإن التقاضى الإلكترونى يُعد من أبرز خطوات الاتجاه نحو الرقمنة، حيث بدأ التطبيق فعلياً فى أغسطس 2020، ويوجد التقاضى الإلكترونى فى 26 محكمة ومأمورية ابتدائية و38 محكمة الجزئية، وبنهاية العام الماضى أصبح العدد الإجمالى للمحاكم الابتدائية ومأمورياتها والمحاكم الجزئية المطبق بها تلك الخدمة 64 محكمة ومأمورية.
وبلغ عدد الدعاوى التى جرى إقامتها عن بُعد بالمحاكم الابتدائية والاقتصادية 7781، أما عن ميكنة محاضر الجلسات بالذكاء الاصطناعى فتقوم فكرة المشروع على تحويل الصوت إلى نص مكتوب باستخدام الذكاء الاصطناعى من خلال برنامج يحول كافة ما يجرى من حوار داخل قاعة الجلسة، كمرافعات المحامين الشفوية وطلباتهم وقرارات القضاة، إلى محررات مكتوبة بشكل آلى وآنى، مما يضمن نقل الألفاظ كما هى دون لبس أو تحريف على مستند مقروء ومؤمَّن تسهيلاً لنقله وحفظه، فضلاً عن توفير الجهد والوقت والمال من خلال تبادل إرسال أوراق القضايا الجنائية على النظام الإلكترونى.
وبدأت وزارة العدل فى 4 سبتمبر من عام 2021 المرحلة التجريبية للمشروع، وتم نشر المنظومة فى 13 محكمة ابتدائية داخل قاعات تجديد جلسات الحبس عن بُعد، حيث جرى استخدام المنظومة فى 32 ألف جلسة تجديد حبس عن بُعد، تضمَّنت مختلف اللهجات المصرية.
وعملت وزارة العدل على نظام متكامل لميكنة مراسلات الإعلان بشأن القضايا المقامة عن بُعد، حيث تم الانتهاء من إعداد الإصدار الأول للنسخة التجريبية للبرنامج، وتشغل تلك النسخة التجريبية بالمحاكم الابتدائية، التى يمكن ربطها بمركز المعلومات القضائى، وعددها 28 محكمة ابتدائية، وتدريب مسئولى النظام المميكن فى المحاكم الابتدائية، وفى المحاكم الجزئية المميكنة.
وحسب خطة الوزارة، شملت منظومة «التقاضى عن بُعد» المحاكم الاقتصادية، حيث عملت وزارة العدل، من خلال رؤيتها الخاصة بالتحول الرقمى لإجراءات التقاضى، على تفعيل التعديلات التشريعية الخاصة بإجراءات رفع الدعوى ومباشرتها عن بُعد أمام المحاكم الاقتصادية، حيث تمت إقامة 7688 دعوى عن بُعد فى 8 محاكم اقتصادية تمثل جميع المحاكم على مستوى الجمهورية.
كما أطلقت وزارة العدل مشروع تجديد الحبس الإلكترونى، وهو مثول المتهمين المحبوسين احتياطياً بالسجون العمومية والمركزية عن بُعد أمام القضاء للنظر فى تجديد الحبس، وبدأت بمحاكم الجنح، والجنح المستأنفة المنعقدة فى غرفة المشورة اعتباراً من ۱۸ أكتوبر ۲۰۲۰، وتهدف خدمة تجديد الحبس الاحتياطى عن بُعد عبر تقنية الفيديو كونفرانس إلى نظر جلسات تجديد حبس المتهمين بآلية تُمكِّن القاضى من مباشرة إجراءات تجديد حبس المتهمين المحبوسين احتياطياً دون الحاجة إلى نقل المتهمين من مقار حبسهم، ويحقق ذلك المشروع عدة أهداف، منها الحد من المخاطر الأمنية أثناء نقل المتهمين وتوفير نفقات نقل المتهمين، وتم الانتهاء من تفعيل تلك الخدمة بجميع المحاكم الابتدائية والاستئنافية خلال عام ۲۰۲۱ لـ٨٨٦ قسم شرطة ومركز إصلاح، و٥٨٣ قاعة بالمحاكم الابتدائية والاستئنافية.
كما جرى إدخال الخدمة بالمحاكم الجديدة التى تم افتتاحها خلال عام ۲۰۲۲، وهى مجمع محاكم مركز إصلاح وادى النطرون، مجمع مركز إصلاح بدر الجديد، مقر محكمة استئناف الإسكندرية بمجمع محاكم إيتاى البارود، كما جرى تفعيل تلك الخدمة بـ15 قاعة بمراكز الإصلاح والتأهيل وأقسام الشرطة، وهى مركز إصلاح وتأهيل العاشر من رمضان، مركز إصلاح وتأهيل بدر، مركز إصلاح وتأهيل سوهاج، كذلك تفعيل تلك الخدمة بـ8 قاعات بالمحاكم المستحدثة، منها محكمة العياط، محكمة فوه، محكمة قليوب.
كما اضطلعت الوزارة بأرشفة القضايا المدنية الورقية إلكترونياً، ويهدف ذلك المشروع إلى حفظ ملفات القضايا المدنية الورقية إلكترونياً، ويتمثل ذلك فى القيام بعمل مسح ضوئى للمستندات وحفظها إلكترونياً مع إتاحة آلية البحث الرقمى عن القضية، وجرى البدء فى تطبيق الخدمة بالمحاكم الابتدائية منذ عام ٢٠١٥، ويحقق هذا النظام عدة مميزات، أهمها استرجاع البيان المطلوب بسرعة ويُسر، وسرعة تنفيذ قرارات المحاكم وطلب المعلومات والحفاظ على سلامة القضايا المؤرشفة.
فى سياق متصل، أطلق المستشار عدنان فنجرى وزير العدل، والدكتور عمرو سميح طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، منظومة التقاضى عن بُعد فى الدعاوى الجنائية بمحكمة شرق الإسكندرية، الشهر الماضى، والتى تتضمن حضور المحامى عن بُعد فى جلسات نظر مد الحبس الاحتياطى بحيث يمكن للمحامى تقديم دفاعه عن المتهم المحبوس احتياطياً عن بُعد دون الحضور إلى قاعة المحكمة، استكمالاً لمنظومة مد حبس المتهم عن بُعد من محبسه. يأتى إطلاق هذه المنظومة فى إطار استعداد وزارة العدل لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذى وافق عليه مجلس النواب فى دور الانعقاد الأخير، والذى نظَّم إجراءات التقاضى عن بُعد فى الدعاوى الجنائية.
ويستهدف هذا التطبيق تعميم ونشر هذه الآلية على مستوى الجمهورية لاستخدامها بأقصى كفاءة وفاعلية فى العمل اليومى لتشمل كافة قاعات المحاكم الجنائية والاقتصادية، كما تتيح المنظومة الجديدة تحويل المرافعات الشفوية وقرارات القضاة وأقوال المتهمين إلى نصوص مكتوبة، وذلك باستخدام الذكاء الاصطناعى الذى يحول الصوت إلى محرَّر مكتوب بهدف ميكنة محاضر الجلسات والاستغناء عن كتابه محضر الجلسة يدوياً.
وأكد وزير العدل أن تلك المنظومة نقطة فارقة لا يُكتفى فيها بأن نحافظ على إرث مصر القضائى العريق، بل نضيف إليه صفحات جديدة من الإبداع والريادة، وأنه قد آن الأوان أن تواكب فيه إجراءات التقاضى التطور التقنى، مشيراً إلى أن تلك المنظومة خطوة استراتيجية رائدة نحو تحديث منظومة العدالة الجنائية وضماناتها الموضوعية بغير حاجة إلى الحضور الشخصى، مما يختصر الزمن ويخفف الأعباء ويحفظ الحقوق ويصون الحريات ويضمن استمرار العمل القضائى الفاعل تحت أى ظرف طارئ ومع أى حائل عارض وييسر سُبل التقاضى وصولاً للعدالة الناجزة، وهى غاية الغايات التى تسعى إليها الوزارة تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى، رئيس الجمهورية، بتيسير سُبل التقاضى والسعى نحو التحول الرقمى الكامل مع صون الحقوق والحريات.
فى سياق متصل أكد الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن هذه المنظومة تمثل خطوة وثابة فى مسيرة التعاون المشترك بين وزارات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والعدل، والداخلية لتطبيق آليات رفع الدعوى الجنائية بما يتواكب مع متطلبات العصر الرقمى، حيث تسهم المنظومة فى تمكين القضاة من النظر فى قضايا الجنايات عن بُعد، ومباشرة كافة إجراءات النظر فى الدعاوى دون الحاجة إلى الوجود الفعلى لكافة أطراف القضية فى قاعة المحكمة، مضيفاً أن هذا التعاون يُعد لبنة وضَّاءة فى صرح بناء منظومة العدالة فى مصر الرقمية من خلال تطويع التكنولوجيا لتسريع الإجراءات، وتيسير عملية التقاضى، موضحاً أنه تم توصيل أكثر من 850 خط ألياف ضوئية خلال عام واحد لكل قاعة محكمة ومركز إصلاح وقسم شرطة بهدف تفعيل منظومة النظر فى تجديد الحبس الاحتياطى بكفاءة زمنية غير مسبوقة، بما يسهم فى توفير الجهد والنفقات، كما تم تزويد المنظومة بإجمالى 1530 وحدة اتصال مرئى لتمكين القاضى من مخاطبة أطراف القضية أينما كانوا وإجراء جلسة واحدة تنعقد فى أكثر من موقع فى آن واحد، مضيفاً أنه تم تدعيم جاهزية البنية التحتية الرقمية بما يتيح للمحامين والقضاة والشهود المشاركة عن بُعد فى بيئة مؤمَّنة تلتزم بأعلى معايير الأمن السيبرانى فى خطوة جديدة تأتى فى أعقاب ما تم تنفيذه فى المحاكم الاقتصادية فى منظومة التقاضى عن بُعد.
وأوضح «طلعت» أنه تم تطبيق منظومة تحويل النص المنطوق من وقائع الجلسة إلى نص مكتوب باستخدام تقنيات التعرف اللغوى والذكاء الاصطناعى، مضيفاً أن المنظومة بُنيت بالكامل من خلال مركز الابتكار التطبيقى التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بعقول مهندسين مصريين، وذلك بنسبة دقة تجاوزت 96%، وهى الأعلى بين كل المنظومات المناظرة لها التى تتعرَّف على الكلام المنطوق باللغة العربية الفصحى والعامية بمختلف لهجاتها، مؤكداً أن الخوارزميات أصبحت فى العصر الحالى من أهم أدوات القاضى المعاصر. وشهد الوزيران جلسة افتراضية لمد حبس احتياطى عن بُعد مَثُل فيها المتهم والمحامى عن بُعد أمام إحدى الدوائر فى محكمة شرق الإسكندرية.