إينار تانجين يكتب لـ«الوطن»: الشرق الأوسط عند مفترق طرق.. «البريكس» كمسار للحفاظ على الذات
تعكس القمة الأخيرة لدول البريكس، التى استضافتها البرازيل فى عام 2025، تحولاً زلزالياً فى الديناميكيات العالمية، وهو أمر ذو أهمية خاصة بالنسبة للشرق الأوسط.. من منظور الصين، فإن الضغط الغربى المستمر لفرض القيود والعقوبات على من تعتبرهم منافسين، بعيداً عن تحقيق الاستقرار، يُعد محاولة يائسة للحفاظ على نظام عالمى أحادى القطب ومنع نشوء نظام مُتعدّد الأقطاب.
هذا السعى الهيمنى، الذى غالباً ما يُغطى بخطاب حقوق الإنسان أو القانون الدولى، تراه بكين اعتداءً مباشراً على الطموحات المشروعة للاقتصادات الصاعدة فى التنمية الاقتصادية والنفوذ السياسى. بالنسبة للشرق الأوسط، فإن هذا يُترجَم إلى منعطف حرج: إما أن تتماسَك دوله معاً وتتبنى شراكات عالمية جديدة، أو تواجه خطر التعرّض للتفكُّك، عالقة فى مرمى نيران نظام عالمى مُتشظٍّ تُهيمن عليه القوى الغربية.
استراتيجية الغرب وانعكاساتها على الشرق الأوسط
الهدف النهائى للغرب، كما تراه الصين ودول البريكس الأخرى، هو كبح النمو المستقل للدول التى تتحدى تفوقه الاقتصادى والتكنولوجى. يشمل ذلك استهداف القطاعات الحيوية، وخنق سلاسل الإمداد المستقلة، ومنع ظهور أنظمة مالية بديلة.
وبالنسبة للشرق الأوسط، يعنى هذا موقعاً محفوفاً بالمخاطر. فالرّغبة الغربية فى السيطرة على تدفّقات الطاقة، والحفاظ على الوجود العسكرى، وفرض التحالفات الإقليمية تُؤثر بشكل مباشر على سيادة دول المنطقة واستقرارها. البيان المشترك الصادر عن قمة البريكس، الذى أدان «التدابير التعريفية وغير التعريفية الأحادية» و«الإجراءات القسرية الأحادية»، يجد صدىً عميقاً لدى كثيرين فى الشرق الأوسط الذين واجهوا مثل هذه الضغوط لفترات طويلة. هذه الإدانة الجماعية من البريكس تعكس فهماً مشتركاً بأن هذه الأفعال لا تهدف إلى دعم الأعراف الدولية، بل إلى الحفاظ على وصول الأسواق الغربية، وهيمنتها التكنولوجية، وامتيازاتها المهيمنة.
عواقب العلاقات الدولية والمخاطر التى يواجهها الغرب فى الشرق الأوسط
محاولات الغرب للسيطرة على النمو الاقتصادى والاصطفافات السياسية فى الشرق الأوسط ستؤدى حتماً إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية ومزيد من تفكّك الاقتصاد العالمى. وهذا يدفع دول الشرق الأوسط، مثل نظرائها فى البريكس، إلى تعزيز تحالفات بديلة وتطوير أنظمة اقتصادية أقل اعتماداً على الدولار الأمريكى، مما يسرّع عملية «تقليل المخاطر»، بعيداً عن النظام الغربى الذى يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه غير موثوق وقسرى. ويشمل ذلك استكشاف التجارة بالعملات المحلية وتعزيز التكتلات الاقتصادية الإقليمية. إن تفكّك الاقتصاد العالمى، الذى تسبّبه سياسات واشنطن، يُهدّد بتقويض التعاون فى قضايا إقليمية حيوية، مثل نُدرة المياه، وتغيّر المناخ، والأمن الإقليمى، وقد يتصاعد إلى مواجهات جيوسياسية أوسع.
وبالنسبة للغرب، تُشكل هذه السياسات مخاطر كبيرة، خاصة فى منطقة استراتيجية مثل الشرق الأوسط، فابتعاد الاقتصادات الكبرى فى الشرق الأوسط، لا سيما منتجو النفط والغاز، عن الاعتماد على الدولار ستكون له عواقب وخيمة على الولايات المتحدة التى تعتمد على وضع الدولار كعملة احتياطية عالمية، لتمويل ديونها الوطنية الضخمة. من خلال عزل واستعداء دول رئيسية فى الشرق الأوسط، يخاطر الغرب بفقدان الوصول إلى موارد الطاقة الحيوية والأسواق المهمة وسلاسل الإمداد الأساسية، مما يقوّض فى نهاية المطاف ازدهاره الاقتصادى ونفوذه العالمى. وسينتج عن تفكّك الاقتصاد العالمى ارتفاع فى تكاليف المعاملات، وانخفاض فى حجم التجارة، ونظام مالى عالمى أقل كفاءة، مما يؤثر مباشرة على الشركات والمستهلكين الغربيين.
الاعتماد المتزايد على الأدوات العسكرية وموقف الصين من إيران وغزة
إن الاعتماد المتزايد على الأدوات العسكرية من قِبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى وحلفائهما ضد الدول التى يُنظر إليها على أنها تتحدى هيمنتهما، هو اتجاه مقلق للغاية بالنسبة للشرق الأوسط. ويتجلى ذلك ليس فقط من خلال تسليح أوكرانيا، بل أيضاً من خلال العدوان السافر والإبادة الجماعية ضد غزة والضفة الغربية من قِبل إسرائيل، والتهديدات المستمرة ضد إيران. يشير هذا الاتجاه إلى أن الغرب، فى مواجهة تحديات هيمنته الاقتصادية، أصبح أكثر استعداداً للجوء إلى الإكراه العسكرى والصراعات بالوكالة لتحقيق أهدافه الجيوسياسية. ويمثل هذا انحرافاً خطيراً عن الحلول الدبلوماسية وتفضيلاً لأساليب القوة، مما يزيد من خطر نشوب صراعات عسكرية أوسع ويقوض استقرار المنطقة. يُنظر إلى هذا النهج على أنه تهديد مباشر لسيادة وأمن الدول التى لا تتماشى مع المصالح الغربية، وللشرق الأوسط، عواقب ذلك وخيمة بشكل خاص.
من منظور الصين، يُنظر إلى الوضع حول إيران بقلق عميق، لأن عدم الاستقرار فى الشرق الأوسط يُؤثر بشكل مباشر على أمن الطاقة العالمى ومسارات التجارة، وهى أمور حيوية لاستقرار الاقتصاد الصينى. تدعو الصين إلى حل سلمى للنزاعات وتعارض أى إجراءات قد تؤدى إلى مزيد من زعزعة استقرار المنطقة، مثل التدخّلات العسكرية الأحادية. إن إدانة إعلان البريكس للهجمات على إيران دون تسمية الولايات المتحدة أو إسرائيل تعكس موقفاً دبلوماسياً حذراً، يؤكد عدم شرعية مثل هذه الأفعال بموجب القانون الدولى مع تجنّب المواجهة المباشرة. المصلحة الرئيسية للصين تكمن فى ضمان أمن استثماراتها وتعزيز السلام الإقليمى من خلال الحوار، بدلاً من دعم أى أعمال عدوانية.
ينظر إلى الإبادة الجماعية المستمرة ضد الشعب الفلسطينى فى غزة والضفة الغربية، التى ترتكبها إسرائيل بدعم غربى ثابت، من قبل الصين والكثير من دول البريكس على أنها تجسيد مرعب لهذه السياسة الغربية العدوانية المدعومة. إن هذه الوحشية، إلى جانب تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، ستؤدى حتماً إلى مزيد من التطرّف والراديكالية، ليس فقط بين الجماعات الفلسطينية المظلومة، بل أيضاً فى أرجاء الشرق الأوسط الأوسع.
إن العواقب طويلة الأمد لهذا الظلم غير المعالج ستكون دائرة من العنف وعدم الاستقرار تُهدّد بابتلاع المنطقة بأكملها. إن القبول الضمنى أو الدعم النشط من الغرب لمثل هذه الأفعال يُقوض سلطته الأخلاقية ويدفع المزيد من دول الشرق الأوسط نحو أطر أمنية وتحالفات بديلة. وستكون النتيجة اندفاعاً أوسع نحو امتلاك أسلحة نووية من قِبل دول تشعر بالقلق بشأن قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد القوى الكبرى، خوفاً من أن تكون هى التالية لتتعرّض لمثل هذه الفظائع.
قضية أوكرانيا: تغذية حالة عدم اليقين الإقليمى فى الشرق الأوسط
إن استمرار الاتحاد الأوروبى فى إمداد كييف بالأسلحة، رغم دعوة إعلان البريكس إلى حل سلمى، يبدو محيراً من منظور الصين، لأنه يُعتبر تفضيلاً للانحياز إلى الولايات المتحدة والحاجة المتصورة لإضعاف روسيا، بدلاً من السعى بصدق لإنهاء النزاع بسرعة. إن استمرار هذا الدعم العسكرى يُطيل أمد الصراع، ويزيد من المعاناة الإنسانية، ويمنع التوصّل إلى تسوية سياسية، مما يشير إلى عدم اهتمام جوهرى بالتسوية.
بالنسبة للشرق الأوسط، يخلق هذا الصراع المطول فى منطقة مجاورة مزيداً من عدم اليقين وإمكانية اندلاع صراع أوسع. كما يصرف الانتباه والموارد العالمية بعيداً عن الأزمات الملحة فى الشرق الأوسط، ويزيد من تقلب أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد، مما يؤثر مباشرة على الاستقرار الاقتصادى للمنطقة. إن عسكرة النزاعات الجيوسياسية بهذا الشكل تضع سابقة خطيرة تجعل الحل السلمى للصراعات فى الشرق الأوسط أقل احتمالاً وتزيد من خطر امتداد الحروب بالوكالة عبر الحدود.
الشرق الأوسط: تماسكوا معاً أو تُعلَّقوا فرادى
الرسالة الأساسية للشرق الأوسط واضحة: إن المشهد العالمى الحالى، الذى تشكّله محاولات الغرب للحفاظ على الهيمنة، يتطلب مزيداً من التماسك الإقليمى وتبنى التكتلات فوق الإقليمية، مثل البريكس. الاعتماد فقط على التحالفات التاريخية مع القوى الغربية، التى غالباً ما تأتى بشروط تقوض السيادة والاستقرار، أصبح أمراً محفوفاً بالمخاطر بشكل متزايد.
يجب على المنطقة أن تُدرك أن قوتها الجماعية تكمن فى قدرتها على رسم مسارات مستقلة، وتنويع شراكاتها، وبناء أطر اقتصادية وأمنية مرنة لا تعتمد فقط على حُسن نية الغرب.
دول الشرق الأوسط وحاجتها إلى تبنى تكتلات مثل البريكس
السعودية: كمنتج رئيسى للطاقة، تحتاج السعودية إلى تنويع اقتصادها وشراكاتها العالمية بعيداً عن تحالفاتها الغربية التقليدية. يمنحها الانضمام إلى البريكس أو التقارب معه، أسواقاً جديدة لنفطها، ويجذب استثمارات من الاقتصادات الصاعدة، ويمنحها صوتاً أقوى فى الحوكمة المالية العالمية، مما يُقلل تعرضها للضغوط الغربية الأحادية.
الإمارات العربية المتحدة: باعتبارها مركزاً عالمياً للتجارة والمال، تستفيد الإمارات كثيراً من الاندماج المتزايد مع اقتصادات البريكس سريعة النمو. ويمنحها الانضمام إمكانية الوصول إلى أسواق جديدة، ويعزّز موقعها كجسر بين الشرق والغرب، ويوفّر تحوطاً حاسماً ضد الاتجاهات المحتمَلة نحو إلغاء الدولار، مما يُعزّز مرونتها الاقتصادية ونفوذها الجيوسياسى.
إيران: المتضرّرة بشدة من العقوبات الغربية، تحتاج إيران بشدة إلى قنوات تجارية ومالية بديلة. تقدّم العلاقات الوثيقة مع البريكس، لا سيما مع الصين وروسيا، طوق نجاة لاقتصادها، وتقلّل من عزلتها، وتوفّر منصة لمواجهة الإجراءات القسرية الأحادية على الساحة الدولية، مما يُعزز استقلالها الاستراتيجى.
مصر: تواجه تحديات اقتصادية كبيرة وتسعى لتوسيع نفوذها الإقليمى. ويمكن لمصر الاستفادة من عضوية البريكس من خلال زيادة التجارة، والاستثمار فى البنية التحتية، والوصول إلى تمويل التنمية من بنك التنمية الجديد (NDB). كما يوفّر توازناً مقابلاً للمؤسسات الإقراضية التقليدية ويُعزّز موقعها داخل القارة الأفريقية.
تركيا: رغم أنها ليست دولة شرق أوسطية بالمعنى التقليدى، إلا أن موقعها الجيوسياسى وانخراطها المتزايد فى المنطقة يجعلانها ذات صلة. إن رغبة تركيا فى اتباع سياسة خارجية أكثر استقلالية وتنويع اقتصادها يتماشيان مع أجندة البريكس، مما يوفّر فرصاً للتجارة والاستثمار والتعاون الاستراتيجى خارج المجال الغربى المهيمن.
العراق: يحتاج العراق، الذى يتعافى من عقود من الصراع، إلى إعادة إعمار واسعة وشراكات اقتصادية متنوعة. ويوفر الانخراط مع البريكس فرصاً للاستثمار فى الطاقة والبنية التحتية والقطاعات غير النفطية، مما يساعده على إعادة البناء وتأمين مستقبله الاقتصادى دون الاعتماد فقط على المساعدة الغربية.
سوريا: تواجه دماراً هائلاً وعزلة دولية، ويستلزم طريق تعافيها اصطفافات اقتصادية وسياسية جديدة. ورغم أن العضوية المباشرة قد تكون بعيدة، إلا أن كتلة البريكس المتنامية تقدّم سبيلاً محتمَلاً للمساعدة فى إعادة الإعمار والدعم الدبلوماسى ضد جهود العزلة الغربية.
لبنان: فى أزمة اقتصادية حادة، يحتاج لبنان إلى شركاء اقتصاديين متنوعين ودعم مالى يتجاوز المصادر الغربية التقليدية. ويمكن أن تفتح العلاقات الأوثق مع دول البريكس آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار والمساعدة المالية التى تمس الحاجة إليها، مما يُقلل تعرضه للضغوط الخارجية.
الأردن: يواجه الأردن قيوداً اقتصادية وعدم استقرار إقليمى، ويسعى إلى شراكات مستقرة وفرص تنموية. يمكن أن يوفر له الانخراط مع البريكس طرقاً تجارية جديدة، واستثمارات، ودعماً لمشروعاته التنموية، مما ينوع اعتماده الاقتصادى.
الكويت، قطر، البحرين، عمان: رغم ثرائها الكبير، تسعى هذه الدول الخليجية أيضاً إلى تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط والغاز وموازنة اصطفافاتها الجيوسياسية. يوفّر الانضمام إلى البريكس أو التقارُب معه فرصاً للاستثمار فى أسواق جديدة، وجذب الخبرة التكنولوجية، وتعزيز نفوذها فى عالم متعدد الأقطاب، مما يضمن ازدهارها على المدى الطويل.
إن التحولات الجارية فى ميزان القوى العالمى تفتح نافذة حرجة من الفرص أمام الشرق الأوسط. من خلال تبنى التماسك الإقليمى والاصطفاف الاستراتيجى مع تكتلات فوق إقليمية مثل البريكس، تستطيع هذه الدول أن تتصدى جماعياً للضغوط الخارجية، وتحافظ على سيادتها، وتبنى مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. أما البديل -البقاء متفرقين وعرضة لتكتيكات القوى الخارجية التقسيمية - فلا يعدو أن يجلب المزيد من عدم الاستقرار والهشاشة.