قطر وحزمة الحطب
من الدروس التى احتفظت بها الذاكرة منذ الطفولة، درس الرجل الذى أحضر لأولاده كمية من أعواد الحطب وكان يعطى كل واحد منهم عوداً من الحطب، يكسره الابن فى بضع ثوان، وبعدها قدم الرجل حزمة من الحطب.
وطلب كسرها فاستحال ذلك، وهنا توجه الرجل إلى أبنائه، قائلاً: هل لاحظتم أن كسر الحطب كان فى غاية السهولة عندما كان كل عود حطب وحده بينما أصبح الأمر شبه مستحيل عندما تجمعت كل الأعواد فى حزمة واحدة؟، هكذا أنتم يا أبنائى، يسهل الاستفراد بكل منكم على حدة، ويصعب تماماً إذا ما تجمعتم وتوحدتم.
هذا الدرس هو ما أكدته كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قمة الدوحة، العربية - الإسلامية، والتى نبه فيها الرئيس إلى أهمية الوحدة السياسية بين هذه الدول، وعلى التكامل الاقتصادى بينها، والعالم كله يشاهد مدى الانفلات الصهيونى، بمساندة أمريكية كاملة، بحيث يصعب أن يجد أحد تفسيراً للعدوان الإسرائيلى الأخير على دولة قطر، حيث توجد أكبر قاعدة أمريكية فى منطقة الخليج العربى.. تحقق الجميع إذن من خطورة التفتيت العربى الذى مكّن رئيس حكومة العدو الصهيونى بنيامين نتن ياهو، من المجاهرة بنوايا دولة الاحتلال بالسيطرة الكاملة على الوطن العربى، من المحيط إلى الخليج، ونكرر، بدعم أمريكى سافر ومهين.
فقد تم العدوان على قطر التى كانت تبذل الوساطة بجهود مخلصة فى التوصل إلى حل مع قادة «حماس» الذين كانت تل أبيب تنتظر موافقتهم على الشروط الإسرائيلية لوقف إطلاق النار فى غزة، حيث أدى العدوان الصهيونى إلى استشهاد وإصابة عشرات الآلاف من أبنائها، وبينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء والشيوخ، بهدم منازلهم فوق رؤوسهم دون رادع، بل بتشجيع الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب، الذى وعد أكثر من مرة بوقف إطلاق النار فى قطاع غزة، وبدلاً من ذلك امتدت حرب الإبادة الصهيونية المتوحشة إلى الضفة الغربية المحتلة ونشر المستوطنين الشرسين فى أنحائها، واعتدائهم على المواطنين الفلسطينيين المدنيين المسالمين، وسرقة المساعدات التى ترسلها مصر إلى الأشقاء الفلسطينيين.
إن كلمة الرئيس السيسى فى قطر كانت شديدة الوضوح والتحذير من أننا نواجه مؤامرة لبسط سيطرة الدولة الصهيونية على جميع دول المنطقة، مع الإعلان العملى الواضح أن القواعد الأمريكية لن تحمى أحداً، بل هى تساعد إسرائيل على بث الذعر فى تلك الدول، بحيث ترضخ للمخطط المعادى بهيمنتها من النهر إلى البحر، كما أعلن بصفاقة تتحدى جميع القوانين والأعراف الدولية رئيس حكومتها نتن ياهو.
وقد بات واضحاً أننا لا خلاص لنا إلا بوحدتنا واليقين بأن واشنطن هى السند الأساسى والقوى للدولة اللقيطة التى صنعها الاستعمار البريطانى، ثم انتقلت إلى واشنطن، وقد كان العدوان الصهيونى على قطر أبلغ دليل على أن إسرائيل هى أكبر عدو لنا، فقطر بها قاعدة أمريكية، وقطر كانت تستضيف وفد «حماس»، بطلب من واشنطن وتل أبيب، ومع ذلك كان العدوان الغادر الذى ينشط الذاكرة لاستدعاء درس قصة حزمة الحطب، التى وردت معانيها فى كلمة الرئيس السيسى فى الدوحة خلال القمة العربية - الإسلامية.