أكّد الدكتور أحمد العناني، الخبير في العلاقات الدولية، أن الرسائل المصرية التي وجهها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، أمام القمة العربية الإسلامية الاستثنائية في العاصمة القطرية الدوحة، وصلت بوضوح إلى البيت الأبيض، وأصبحت تؤخذ بجدية بالغة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، التي تدرك أن مصر ليست مجرد وسيط، بل لاعب إقليمي له ثقله في المنطقة.
وقال خبير العلاقات الدولية، في حوار مع «الوطن»، إن مصر، باعتبارها الدولة الأكبر والأكثر فاعلية في جامعة الدول العربية، تسعى دائماً للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وهى ليست مجرد دولة مشاركة في المفاوضات، بل شريك أساسي وفاعل في صياغة المواقف العربية، وفيما يلى تفاصيل الحوار.
* كيف تقرأ مضمون رسائل الرئيس عبدالفتاح السيسي في قمة الدوحة؟
الرئيس عبدالفتاح السيسي ركز في خطابه على ضرورة حماية السيادة الوطنية للدول العربية والإسلامية، وذلك لن يتحقق إلا عبر تحالفات مشتركة، وبالفعل مصر كانت قد طرحت عام 2015 فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة، واليوم أعاد الرئيس السيسي طرحها بشكل أوسع، لتشمل الدول الإسلامية أيضاً، هذه الرسالة تحمل في طياتها دلالات واضحة، موجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى إسرائيل على وجه الخصوص، بأن هناك قوة جماعية ستدافع عن الدول، حال تعرضها لأي اعتداءات إسرائيلية في الفترة المقبلة، وتضمن الخطاب تلويحاً برسائل قوية، خاصة تجاه إسرائيل، بأن مصر ملتزمة باتفاقية السلام، لكن أي خرق من الجانب الإسرائيلي لهذه الاتفاقية، قد يدفع القاهرة إلى تعليق التزاماتها، أو حتى الانسحاب منها، وهو ما سيكون محرجاً لإسرائيل، التي لا تحترم القانون الدولي، ولا الاتفاقية نفسها، وبالتالي أوصلت مصر، عبر خطاب الرئيس، محددات واضحة
للأمن القومي العربي، مؤكّدة أنَّ أي تهديد للسيادة المصرية أو العربية، سيقابل برد جماعي.
* الرئيس دعا إلى وحدة الموقف العربي والإسلامي وإنشاء آلية للتنسيق المشترك، هل تعتقد أن هناك إرادة حقيقية لتفعيل هذا المقترح؟
من الواضح أن هناك تباينات عميقة في المواقف السياسية بين عدد من الدول العربية، وهو ما يشكل عائقاً أمام تفعيل أي مشروع للوحدة أو التنسيق المشترك، فالوضع في سوريا لم يستقر بعد، والأزمة الليبية ما زالت قائمة، بينما يشهد السودان تدهوراً خطيراً، إضافة إلى استمرار الأزمة اليمنية دون أفق لاتفاق سياسي حقيقي، فضلاً عن التدخلات الإقليمية في بعض الساحات العربية، كما أن خطاب الرئيس السيسي تضمن بعداً إصلاحياً مهماً، إذ أكد أن أي قوة عربية أو إسلامية مشتركة، لن تكون فاعلة ما لم تواكبها إصلاحات سياسية داخلية في الدول نفسها، بمعنى أن الأزمات القائمة يجب أن تُحل بالطرق السياسية أولاً، لتعود الدول إلى قوتها الطبيعية، وعندها فقط يمكن الحديث عن جيش عربي أو إسلامي موحد، قادر على مواجهة التحديات.
* إلى أي مدى يمكن أن تُترجم دعوة «السيسي» إلى خطوات عملية؟
الرسالة في جوهرها واضحة ومباشرة تجاه إسرائيل، والموقف المصري يحذر من أن أي تصعيد إسرائيلي، أو اختراق للسيادة، سيواجه برد فعل متصاعد، أول رد فعل سيكون مناسباً، وإذا استمر التصعيد فسيكون أقوى، وحتى إن أي مساس بالسيادة المصرية سيقابل برد شديد، هذه الإشارة ليست تجريدية أو موجهة إلى واشنطن فحسب، بل توجهت هذه المرة مباشرة إلى حكومة نتنياهو، كما أن التحذير يحمل معنى عملياً، إذا واصلت إسرائيل تقويض فرص السلام، أو تجاوز الاتفاقيات، فستترتب عليه عواقب ملموسة، تؤثر على الدولة الإسرائيلية، مؤسساتها وحكومتها وشعبها، وفي المضمون السياسي هذا يعنى أن ثمن تقويض عملية السلام قد لا يقتصر على بيانات إدانة، بل قد يشمل خطوات دبلوماسية وسياسية أقوى، قد تُفكّر فيها القاهرة وشركاؤها، مثل إعادة تقييم الاتفاقيات الثنائية، وتنسيق «عربي - إسلامي» أكثر فاعلية، وإجراءات ردعية أخرى، تتراوح بين ضغوط سياسية ودبلوماسية، وربما خطوات عسكرية، بحسب مدى التصعيد، وبناءً على إجماع عربي وإسلامي.
ما الرسالة التي أراد الرئيس السيسي إيصالها للدول التي ما زالت مواقفها متباينة تجاه الحرب على غزة؟
الرسالة الأساسية هي أنَّ الدور المصري في الوساطة لن يتأثر أو يتراجع، مهما كانت التباينات في المواقف العربية، فمصر تظل دولة مركزية وفاعلة، وتحظى بقبول واسع من جميع الأطراف، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حتى الإدارة الأمريكية السابقة كانت تتواصل مع القاهرة بشكل مباشر في هذا الملف.
* كيف يمكن فهم تحذير الرئيس السيسي لإسرائيل بأن سياساتها الحالية تقوّض السلام وتهدد أمنها؟
تحذير الرئيس في هذا السياق يركز على خطورة هذه السياسات، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على
استقرار المنطقة وأمن إسرائيل نفسها، فمحاولة تهجير الفلسطينيين، مثلاً، خط أحمر بالنسبة لمصر، لأنها تمس بشكل مباشر أمنها القومي، القاهرة أعلنت بوضوح أنها لن تسمح بحدوث أي تهجير، وستتعامل بكل السبل الممكنة لمنع ذلك، وبالتالي الرسالة هنا مزدوجة، من جهة هي دفاع عن الحقوق الفلسطينية والوضع القانوني الدولي، ومن جهة أخرى تأكّيد أنَّ استمرار إسرائيل في هذا النهج سيقود إلى تقويض السلام، وربما إلى ردود فعل تضرها كدولة وحكومة ومجتمع، باختصار مصر تقول لإسرائيل: «أمنك مرتبط باحترامك للقانون الدولي ولحقوق الفلسطينيين، وأي مساس بهذه المحددات سيهدد ليس فقط فلسطين، بل أمنك أنت أيضاً».
* ما تأثير هذه الرسائل على علاقة مصر بالقوى الكبرى خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟
الرسائل المصرية وصلت بوضوح إلى البيت الأبيض، وأصبحت تؤخذ بجدية بالغة، الولايات المتحدة تدرك جيداً أن القاهرة ليست مجرد وسيط، بل لاعب إقليمي له ثقله في المنطقة، ويحسب له ألف حساب، وبالنسبة للاتحاد الأوروبي فإن الموقف العام يتماشى إلى حد كبير مع الموقف المصري، بل ويؤيده في كثير من النقاط، وهو ما يضاعف الضغط على واشنطن، واللافت أن التوافق لم يعد عربياً أو إسلامياً فقط، بل امتد ليصبح «عربياً - إسلامياً - أوروبياً»، وهذا يغيّر معادلة الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، واليوم نشهد مواقف أوروبية غير مسبوقة، منها بريطانيا التي علّقت أنشطة بحثية مرتبطة بإسرائيل، وألمانيا أعادت النظر في بعض صفقات الأسلحة، وإسبانيا أوقفت التعامل العسكري والتصدير إلى تل أبيب، إلى جانب ضغوط مشابهة من فرنسا، وهذه المواقف تعكس أن حتى الحلفاء التقليديين لواشنطن، مثل بريطانيا، التي تُعد جزءاً من التحالف «الأنجلوسكسونى»، بدأوا يبتعدون عن السياسة الأمريكية في ما يتعلق بالحرب على غزة، وهذا التحول يمنح القاهرة زخماً إضافياً، ويجعل من رسائل الرئيس السيسي جزءاً من حراك أوسع، يقيّد يد إسرائيل، ويعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية.