إنجي الطوخي تكتب.. ليتهم يفهمون!

إنجى الطوخى

إنجى الطوخى

كاتب صحفي

1- تمضي السيدة فتحية وهو اسم مستعار يوميا من أمام بيتي هي سيدة مسنة رقيقة المظهر هادئة الملامح، تربط «إيشارب» على رأسها للوراء مثل جداتنا قديما، أو بطريقة «الاسبانش» إذا لجأنا إلى لغة جيل «Z»، ترتدي جلباب مزركش ألوانه المتداخلة الجميلة من ورود وأشجار لا تظهر ملامحها من الشحوم التي تراكمت، فالسيدة المسنة التي تجاوزت الـ60 عاما تعمل في جمع القمامة، وتبدأ من التاسعة صباحا حتى أوقات متأخرة ليلا، تسحب أمامها جرارا حديديا كبيرا وتضع عليها ما جمعته، المفارقة أن «فتحية» لا تعمل أبدا وحيدة بل دوما معها زوجها يدا بيد، كأنهما في موعد رومانسي وليس عمل شاق يصل إلى 10 و12 ساعة يوميا من أجل «لقمة العيش».

2- أشاهد مقطع من بودكاست بالصدفة على «السوشيال ميديا» يتحدث فيه شابان عن رفضهما لعمل المرأة، يجلسان في استديو مكيف الهواء على أريكة مريحة، بينما تبدو نبرة الاستهزاء والاستعلاء واضحة فى صوتهما كأنهما يناقشا مدى قدرة لاعب كرة قدم على الاستمرار في الملعب رغم أن عمره تخطي الـ33، وليس عنصر يمثل ببساطة 48% من سكان مصر، أو كأنهما يتحدثان سويا وهما يلعبان البلاي ستيشن بينما في الحقيقة هما يتحدثان بينما يستمع إليهما ملايين الشباب، ويتأثرون بها.

3- يبدو الوضع حساسا عند التحدث عن عمل المرأة في المجتمع المصري، فما زالت المعتقدات السائدة التقليدية أنّ المرأة تعمل لتحقيق ذاتها تسيطر على أفكار البعض، والتي يستخدمها بعض «الإنفلونسر» و«صناع المحتوى» وكتاب وأحيانا بعض ناقلي أفكار الدين بشكل سطحي للجمهور دون تعمق، للعب على مشاعر جمهورهم ومحاولة جذبهم وتكوين شريحة جديدة منهم، رغم أنهم بداخلهم قد يدركون مدى هراء الفكرة وعدم جديتها، فعمل المرأة في كثير من الأسر ليس رفاهية، والدليل أن نسب النساء المعيلات بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2017 وصل لـ18%، والنساء المعيلات معناها لزيادة التوضيح هي النساء التي تكون مسؤولة عن كل مصروفات الأسرة سواء كانت متزوجة أم لا، سواء كان زوجها مريض، زوجها متوفى أو حتى مطلقة.

4- عندما أتحدث مع السيدة «فتحية» في إحدى المرات تخبرني أنها اضطرت للعمل لمساعدة زوجها، لأن دخله وحده لن يكفي أمام احتياجات الأبناء ومصروفات تعليمهم، لم يكن هذا هو رأي السيدة فتحية وحدها، فكثير من قصص النساء اللاتي عملت عليها في عملى الصحفي على مدار أكثر من 15 عاما كان هذا حالهن، فهن لم يكن ليخرجن للعمل لولا حاجة أسرهن، بل أنّه وللمفاجأة كثير من هؤلاء من النسوة يرغبن في عدم الخروج للعمل والجلوس في المنزل والحصول على الراحة اللاتي يستحقنها، فهل يعلم هذان الشابان ذلك؟ هل يدركان أنهما بتلك الآراء العقيمة التى لم يفكرا فيها لحظة يضران المجتمع ويفتحان الباب لعنصرية لا تنتهي تجاه نون النسوة، هل يدركان رأي الدين إذا كان هو المرجعية بالنسبة لهما مثلا، هل قرأ كلاهما شيئأ عن المرأة في صدر الإسلام وأن النساء كان يشاركن في الحرب مع الرسول مثل السيدة عائشة زوجة الرسول نفسه ونسيبة بنت كعب وغيرهن؟

5- لا ينتهي حوار هذان الشابان عند هذه النقطة الساخرة من عمل المرأة وضرورة مكوثها فى المنزل، بل أن أحدهما يذكر أن آراءه تلك نابعة من كونه فلاحا غير متمدن كرد على منتقديه، فهل يعرف هذا الشاب الذي وصف نفسه فلاحا، بأن في الأرياف حيث الأراضي الزراعية الواسعة والمهام التي لا تنتهى رغم التكنولوجيا الحديثة لابد أن تعمل المرأة مع الرجل يدا بيد لكي يحصلا على دخل يناسب متطلبات المعيشة التي لا تنتهي مثلهم مثل السيدة «فتحية وزوجها» اللذان يعملان يد بيد في جمع القمامة وفرزها، فهل يدرك هذان الشابان ذلك؟ ليتهم يفهمان، ليتهم هم وغيرهم يفهمان الكلمات وما بين الكلمات.