د. محمد بن صالح الحربي يكتب: الشرق الأوسط الجديد قلب العالم الحديث
يموج العالم ومنطقتنا بأحداث متلاحقة ومتسارعة ممتدة ومستمرة منذ 4 عقود، ما بين مد وجزر، هدوء وتوتر، وتحولات جذرية في النظريات الجيوسياسية (الجغرافيا السياسية)، خاصةً فيما يتعلق منها بنظرية (قلب العالم) التي على ضوئها أصبحت منطقتا الخليج العربي والبحر الأحمر كتلة سياسية واحدة بنهاية القرن العشرين، هي قلب العالم الحديث.
تتمتع منطقتا الخليج العربي والبحر الأحمر، ومجموعة البحار والخلجان والمضائق والممرات البحرية الاستراتيجية الدولية، سواء داخلها، أم المرتبطة بها، بأهمية استراتيجية وجيواستراتيجية بالغة، التي ترتكز على الحقائق الجيوبوليتيكية والديموجرافية لها، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يتوسط المنطقة العربية، ويمثل الجزء الغربي من منطقة الشرق الأوسط. ولهذا، فإنها قد أصبحت إحدى أهم دوائر اهتمام القوى العظمى، والدول الكبرى، والتكتلات السياسية، والمنظمات العسكرية الإقليمية في إطار حماية المصالح الحيوية والاستراتيجية، وتحقيق الأهداف الوطنية لها.
منطقة الخليج العربي، ومنطقة البحر الأحمر، هما منطقتان جغرافيتان متلاصقتان، ومتكاملتان، تربطهما شبه الجزيرة العربية، ممثلة في المملكة العربية السعودية، أي إنها حلقة الاتصال الاستراتيجي بين المنطقتين، كما أن كل منطقة جغرافية منهما تمثل العمق الاستراتيجي للمنطقة الأخرى.
وبهذا فإن المتغيرات الدولية والإقليمية، والتهديدات والتحديات الناتجة عنها هما وجهان لعملة واحدة، يؤدي كل منهما إلى الآخر؛ حيث يمكن أن تتحول المتغيرات الخارجية إلى تهديدات وتحديات داخلية، أو أن تتصاعد التهديدات والتحديات الداخلية لتصبح متغيراتٍ في محيط الدولة الإقليمي (متغيرات إقليمية)، أو في دائرتها الدولية (متغيرات دولية). ومن الجدير بالذكر أن المتغيرات تتصاعد تارة إلى حد تهديد الأمن والاستقرار الوطني والقومي والإقليمي، وتهديد السلم والأمن الدوليين، وتهدأ تارة أخرى فينتشر السلام بين ربوع العالم، ويعم الرخاء المجتمع الدولي.
ولقد حدثت - ولا تزال - العديد من المتغيرات الدولية والإقليمية المرتبطة بمنطقتي الخليج العربي والبحر الأحمر، التي تفرز مجموعة من التهديدات والتحديات ذات التداعيات الموجهة ضد الأمن الوطني لدولهما، وللأمن العربي نفسه، وقد أدركت جميع الدول التى لديها أسبابها وأطماعها السياسية الأهمية الشديدة للبحر الأحمر؛ لذا حرصت على تثبيت قواها فيها بشكل أو بآخر، الأمر الذي يخلق تهديدات جمة للدول العربية، وهو ما يوجب عليها ضرورة التحرك والعمل على تعزيز وجودها في شرق أفريقيا ومنطقة البحر الأحمر، حتى تتمكن من حماية وحفظ أمن وسلامة البحر الأحمر، والوقوف في وجه المنافسين الإقليميين والدوليين لها في تلك المنطقة.
ما سبق يُحتم وضع رؤية مستقبلية لمجابهة المتغيرات والتهديدات والتحديات الدولية والإقليمية المرتبطة والموجهة ضد منطقتي الخليج العربي والبحر الأحمر، تتضمن - أساساً - «استراتيجية مقترحة» لدعم الأمن الوطني، بوصفه السياج الأمني الذي يحمي المجتمعات العربية، ومكتسباتها الوطنية ضد تأثير التهديدات والتحديات الموجهة ضدها كافة، مع تحديد محاور التحرك العربي المشترك لتطبيق الاستراتيجية المقترحة.
في خضم المتغيرات المتسارعة والمتلاحقة في القرن الـ21 يشهد الشرق الأوسط تحولات عميقة، لم تعد مفاهيم «الاستقرار» و«القوة» مرهونة فقط بالعسكرة، أو بالتحالفات التقليدية، أو بتوازنات الحرب والسلم. الإقليم يتغير، ليس فقط في تضاريسه السياسية، بل في ملامحه الحضارية، وشروطه الجيوسياسية، وعلاقته بالعالم. إنه الشرق الأوسط الجديد، تتشكل روحه تحت وطأة التحديات، وتلتمع ملامحه من خلال الفرص، ويتجه وجهه إلى مركز جديد للقيادة الفكرية والعملية: الخليج العربي، وعلى وجه الخصوص، المملكة العربية السعودية.
لم يعد الشرق الأوسط مجرد مصطلح جغرافي تتدافع فيه القوى الدولية، بل أصبح فضاءً مفتوحاً لإعادة تعريف النفوذ من خلال التنمية، التكنولوجيا، السرد، والقدرة على إنتاج النماذج. لم يعد «اللاعب الإقليمي» من يُحسن إدارة الأزمات فقط، بل من يملك خطاباً استراتيجياً يستطيع أن يشرح ذاته للعالم، ويعيد صياغة مصالحه بلغة العولمة، دون التفريط بثوابته وهويته.
إن التحولات التي يشهدها الإقليم بدأت منذ سنوات، لكنها تسارعت بشكل غير مسبوق بعد سقوط أنظمة، وانحسار قوى تقليدية، وبروز لحظات اختبار كبرى: من حرب غزة التي أضعفت صورة إسرائيل الاستراتيجية، إلى الزلازل السياسية في سوريا ولبنان والعراق، ومن صعود التيارات الوطنية إلى تراجع فاعلية المحاور الأيديولوجية العابرة للحدود.
في هذا المشهد المتغير، تتنافس القوى الإقليمية على تموضع جديد: تركيا تسعى لاستعادة دور عثماني ناعم يمتد من آسيا الوسطى إلى أفريقيا؛ إيران تحاول الحفاظ على نفوذها عبر وكلاء محليين رغم التآكل الداخلي؛ الإمارات تركز على الابتكار والتموضع المالي؛ قطر تُفعّل دبلوماسية الوساطة والإعلام؛ بينما تظل السعودية هي القوة الوحيدة التي تمزج بين الثقل الجغرافي، والشرعية الرمزية، والطموح الاستراتيجي الواضح.
الدور السعودي اليوم لا ينبثق من فراغ، بل من إرث تاريخي يستند إلى مركزية عربية وإسلامية، ومن تحول اقتصادي طموح بدأته المملكة عبر رؤية 2030، ومن قدرة على صياغة خطاب سياسي يتفاعل مع القوى الكبرى دون أن يذوب فيها. السعودية لم تعد متلقية للسرد الدولي، بل أصبحت مزودة له، عبر منصات سياسية، وإعلامية، ودبلوماسية، واقتصادية، ترسم معالم المرحلة القادمة.
الفرص في الشرق الأوسط الجديد متعددة، لكن التقاطها يحتاج إلى استعداد. الفرص لا تتعلق فقط بإعادة الإعمار في سوريا، أو الاستثمار في الطاقة والمياه في العراق، أو صناعة الإعلام الجديد في لبنان، بل تشمل أيضاً فرصاً غير مادية: إعادة بناء الثقة، استعادة السيادة، تشكيل هوية إقليمية متماسكة، وتأسيس فضاء عربي قادر على الحوار مع الذات والعالم.
إن ملامح الشرق الأوسط الجديد تتبلور في عدة اتجاهات: أولها التحول من الصراع إلى التنمية، حيث لم تعد الأزمات المستمرة قادرة على فرض الاستقرار الزائف، بل أصبح مطلوباً خلق شروط اقتصادية واجتماعية دائمة تستند إلى النموذج لا إلى القبضة. ثانيها الانفكاك عن الثنائية الدولية، فالدول الإقليمية الكبرى لم تعد تصطف وراء محور معين، بل باتت تتبع سياسة «التموضع المتوازن»، كما تفعل السعودية في علاقاتها مع واشنطن، بكين، موسكو، وأوروبا. وثالثها القدرة على التكيّف: من يدخل في الثورة التكنولوجية، ويتبنى التحول الرقمي، ويعيد بناء مؤسساته، سيكون هو الفاعل الحقيقي في العقد المقبل.
لكن لا يمكن الحديث عن هذا المشهد دون التوقف أمام اللحظة السعودية. اللحظة التي تحوّلت فيها الرياض من عاصمة القرار النفطي، إلى عاصمة القرار السردي والاستراتيجي. حين أعلنت قيادة المملكة رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، بحضور الرئيس الأمريكي نفسه، من قلب الرياض، لم يكن ذلك مجرد حدث سياسي، بل لحظة رمزية تقول إن السعودية قادرة على قيادة التحولات، لا فقط المشاركة فيها. إنها لحظة تعبر عن تحول الخليج من الطرف إلى المركز، ومن الحياد إلى الفعالية، ومن السكون إلى القدرة على المبادرة.
الشرق الأوسط الجديد ليس بالضرورة أكثر هدوءاً، لكنه أكثر وضوحاً في ملامح الطموح. الدول التب كانت تدور في فلك الآخرين، تسعى اليوم إلى بناء نموذجها الخاص. التحالفات لم تعد ثابتة، والمفاهيم تغيرت: لم تعد «القوة» تعني وجود القواعد العسكرية فقط، بل تعني عدد الشركات الناشئة، حجم البيانات، عمق المؤسسات، وقدرة الدول على إدارة التعدد والتنوع.
في السنوات القادمة، سيكون من يتحكم في السرد هو من يملك القدرة على التأثير. والسيادة لن تكون فقط على الأرض، بل على العقول. هنا بالضبط يبرز دور السعودية، ليس فقط كدولة مركزية، بل كراوية لتاريخ جديد، تحوّله من حكاية يُكتب عنها، إلى حكاية تكتب ذاتها.
ومن هذا المنظور، فإن كل مشروع سردي، وكل مركز استراتيجي، وكل منصة تحليلية تُبنى اليوم انطلاقاً من الخليج، هي لبنة في بناء الشرق الأوسط الجديد. شرق أوسط لا ينكر ماضيه، لكنه يصنع مستقبله بأدوات الحداثة، وبقلب عربي نابض.