صمود في وجه القصف الإسرائيلي.. قصة الصحفية الفلسطينية رشا أبو جلال من قلب غزة
صمود في وجه القصف الإسرائيلي.. قصة الصحفية الفلسطينية رشا أبو جلال من قلب غزة
في أوائل أغسطس 2025، بعدما وافق المجلس الوزاري الإسرائيلي على خطة للسيطرة العسكرية الكاملة على قطاع غزة، كان الوضع بالنسبة للصحفية الفلسطينية رشا أبو جلال وعائلتها يزداد سوء، بيعت آخر قطع الأثاث التي امتلكتها العائلة، وهي تلك التي اشتريت خلال الهدنة القصيرة التي سادت مطلع العام، وأصبحت الأسرة مستعدة، كما في كل مرة، لمغادرة منزلها، ولكن هذه المرة كان هناك خوف أكبر، خوف من أن يكون التهجير دائماً.
تعيش «رشا» اليوم مع زوجها وأطفالها الخمسة في خيمة صغيرة في غرب مدينة غزة، التي أصبحت مكتظة بالنازحين من مختلف مناطق المدينة التي تعرضت للتدمير نتيجة القصف الإسرائيلي، وبالرغم من الوضع الكارثي، ما زالت ترفض العائلة مغادرة غزة، مؤمنة بأن التمسك بالأرض هو أكثر من مجرد خيار: «إنه معركة من أجل الهوية والوجود»، وفقًا لروايتها لموقع «thenewhumanitarian»، الذي ينقل معايشات حية من داخل قطاع غزة.
لحظات الرعب والمقاومة في حياة الصحفية رشا أبو جلال
في اليوم التالي لانتقال العائلة إلى الخيمة، شهدت رشا أحداثًا مروعة، بينما كانت تقبع أسرتها في الخيمة، حلق فوقها طائرة مسيرة إسرائيلية، ثم فجرت منزلًا مجاورًا في محاولة لزرع الرعب في قلوب السكان وإجبارهم على الرحيل. لكن «رشا» وأفراد أسرتها لم يتزعزعوا، على الرغم من الهلع الذي أصاب النساء والأطفال في المنطقة، كانت رشا تسعى لتطمئن الجميع: لا تخافوا، هم فقط يريدون أن نرحل. لن نغادر.
تروي «رشا» عن تلك اللحظات قائلة: «البقاء أصبح أكثر من مجرد قرار، إنه مقاومة. نحن هنا لنثبت أن الأرض لنا، وأننا لن نتركها، مهما كانت الظروف».
في تلك الأيام الصعبة، أصبحت ساعات الليل في غزة مليئة بالخوف والقلق، الطائرات المسيرة الإسرائيلية لا تتوقف عن التحليق في الأجواء مع غروب الشمس، وتطلق النيران على أي شيء يتحرك في المنطقة، خوفًا من أن تكشف أضواء الخيام عن مكانهم، كانت العائلات تتجنب إشعال الشموع، فيما كانوا يهدّئون أطفالهم في ظلام دامس، متمنين أن يمر الليل بسلام.
أما بالنسبة للغذاء، فقد تحول الوضع إلى كارثة، في 30 أغسطس، وبينما بدأت الأخبار تتحدث عن احتمال عودة الحصار، سارعت العائلات في غرب غزة لتخزين المواد الغذائية، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل غير مسبوق، أصبح شراء الطعام أمرًا شبه مستحيل: «أسعار الطحين والأرز ارتفعت إلى مستويات قياسية، ونحن لا نملك إلا المعونات الإنسانية لنعيش عليها».
رحلة الهروب إلى المجهول
في 31 أغسطس، واصل النازحون التدفق إلى غرب غزة، قادمين من الشمال والشرق، رشا استمعت لقصصهم المأساوية، والتي كانت تتشابه في تفاصيلها: رفضنا مغادرة منازلنا، صمدنا رغم القصف، حتى جاء الهجوم الأخير، الذي دمر كل شيء، لكن أسوأ ما في الأمر كان إرسال القوات الإسرائيلية روبوتًا محملًا بالمتفجرات، كان يعطي للعائلات مهلة 15 دقيقة فقط للهرب قبل أن يتم تفجير المنطقة.
«لا يمكنهم أخذ أي شيء معهم، حتى ألعاب أطفالهم تركوها وراءهم» تروي «رشا» عن اللقاء الذي جمعها بأحد الأمهات النازحات، وعندما وصل هؤلاء النازحون إلى منطقة غرب غزة، كانوا قد فقدوا كل شيء، أجسادهم منهكة من الجري، ووجوههم متعبة من خوف لم ينتهِ.
الصراع من أجل الوجود
في هذه الأيام، بدأت عائلات أخرى، فرت في وقت سابق جنوبًا بسبب القصف، بالعودة إلى غزة الغربية بعد أن أصبح الجنوب مزدحمًا للغاية: «لا توجد مساحة هناك، قال لي أحد الآباء، وهو يرفع خيمته في وسط الأنقاض، رجعنا لأننا لا نستطيع العيش في تلك الأماكن، البقاء هنا هو دفاع عن أرضنا».
رغم الموت الذي يحيط بهم، ومخاطر القصف المتواصل، يدرك الجميع أن التمسك بغزة هو بمثابة مقاومة للاحتلال: «التخلي عن غزة يعني التخلي عن الوجود، لقد أصبحت الخيمة، مهما كانت هشة، رمزًا للصمود، وللثبات أمام أي محاولة لإجبارنا على مغادرة أرضنا».
مأساة الجوع والموت
في 3 سبتمبر، واجهت عائلة «رشا» أزمة جديدة، انكسرت خطوط الصرف الصحي في المنطقة بسبب القصف، وتسببت المياه الملوثة في تسرب إلى الخيام، إذ حاول السكان تدبير حل بدائي من خلال حفر قنوات لإبعاد المياه الملوثة عن خيامهم، ولكن الكارثة لم تتوقف هنا؛ فقد قصفت الطائرات الإسرائيلية المستشفى الوحيد في المنطقة، مستهدفة عيادة الشيخ رضوان التي كانت تداوي النازحين: «حتى المستشفيات لا يمكنها البقاء، يهدفون إلى إغلاق أي مكان يمكن أن يساعدنا في البقاء على قيد الحياة».
وفي 4 سبتمبر، بينما كانت عائلة «رشا» تستعد للنوم بعد يوم طويل، حدث شيء غير متوقع، مع دخول الليل، قفز الأطفال فجأة من أسرّتهم، وهم يصرخون: فأر، كادت هذه الحادثة الصغيرة أن تثير المزيد من الفزع في الأجواء المشحونة، لكن مع ابتسامة زوجها الذي هز رأسه قائلاً: «إنه فقط فأر يبحث عن طعام»، تحول الخوف إلى ضحك مفاجئ، إذ بدأ الأطفال ينادون الفأر بأسماء مختلفة وفي تلك اللحظة، استعادوا شيئًا من الأمل وسط المأساة.
رغم أنَّ «رشا» وعائلتها يواجهون الحياة تحت القصف والجوع والماء الملوث، إلا أنَّ لديهم شيئًا واحدًا يظلون متمسكين به وهو الأمل رغم الهجمات الجوية التي تستهدف الأبراج السكنية وتدمر المدن، تبقى رشا على قناعة أن التمسك بالأرض هو الأمل الوحيد، إذ تقول: «نحن هنا لأننا نؤمن بحقنا في الحياة، في العيش في هذه الأرض».