تحالفات الردع والتوازن

محمد صلاح

محمد صلاح

كاتب صحفي

شهدت المنطقة فى الأيام الأخيرة عدداً من التحالفات العسكرية الهامة التى بدأت تتشكل نتيجة للاعتداء الإسرائيلى على دولة قطر، يأتى على قمتها التعاون العسكرى المصرى التركى، والمتمثل فى مشاركة مصر فى مناورة «بحر الصداقة» مع الجانب التركى بعدد من رجال القوات البحرية والجوية، كما يُعتبر التحالف السعودى الباكستانى أيضاً أحد هذه التحالفات التى تتشكل على مهل من أجل خلق واقع جيوسياسى جديد يجابه التهديدات والاعتداءات التى تقوم بها دولة الاحتلال دون وازع أو رقيب.

والأهم هنا هو أن هذين التحالفين ليسا آخر التحالفات المحتملة فى المنطقة، حيث يقوم الجانبان التركى والباكستانى بالتفاوض من أجل توقيع اتفاقية أخرى تشبه تلك الاتفاقية التى تمت بين باكستان والسعودية، كما صرَّح وزير الدفاع الباكستانى بأن تحالف بلاده مع السعودية لن يكون آخر التحالفات التى تنوى باكستان عقدها مع عدد من الدول العربية والإسلامية.

ويخطئ من يظن أن الهدف من إنشاء هذه التحالفات هو التصعيد العسكرى المضاد، بل إن الهدف الاستراتيجى الأبرز هو تحقيق السلام الإقليمى والحفاظ عليه عبر تفعيل عنصرَى الردع والتوازن، وهو ما لن يتحقق إلا بتنسيق حقيقى بين القوى الإقليمية المختلفة، حيث تتكامل عناصر القوة لدى هذه الدول لفرض السلام، حيث تمتلك مصر وتركيا الجيوش القوية والحديثة والمدرَّبة، فى حين تمتلك باكستان القوة النووية، ويتكامل ذلك مع القوة الاقتصادية للمملكة العربية السعودية.

لعل هناك دواعى عديدة لإنشاء مثل هذه التحالفات الثنائية، والتى تأتى كبديل عن إنشاء قوة عسكرية مشتركة بين دول المنطقة، أبرزها إعلان دولة الاحتلال عن نواياها التوسعية واعتناق رئيس وزرائها هلاوس إسرائيل الكبرى، والتى تبقى السبب الحقيقى فى كل الحروب الدائرة منذ عامين، كما تأتى حالة الضعف والهوان الدولى كسبب وجيه لإنشاء مثل هذه التحالفات، أثبتت هذه الأزمة الممتدة أن دولة الاحتلال فوق القانون الدولى، وأنها فوق أى حساب أو مساءلة، ولا يوجد لها وازع ولا رقيب.

كما ترغب دول المنطقة، عبر هذه التحالفات، فى حماية شعوبها ومقدَّراتها ومشروعاتها التنموية، فلا يمكن أن تتعثر جميع التجارب التنموية عبر التاريخ الحديث نتيجة استنزاف موارد الدول فى صراعات عبثية لا يريد أحد لها أن تنتهى، ولا يمكن أن تستمر معاناة شعوب المنطقة، وأن تبقى هذه الشعوب أسيرة لصراع جدلى قائم على الهلاوس أكثر من الحقائق.

ويبقى التعاون المصرى التركى هو الأكثر تأثيراً لعدة أسباب، ربما يكون أبرزها قوة الجيشين وتنوُّع قدراتهما العسكرية، وهو تعاون يأتى كثمرة للشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما، وهى الشراكة التى تستهدف تنمية القدرات الوطنية لكلا الجيشين، والاشتراك فى أكثر من مشروع لتصنيع عدد كبير من المعدات العسكرية كالطائرات والمسيَّرات.

ولعل تصريحات هاكان فيدان، وزير الخارجية التركى، عن تحسُّن وتطوُّر العلاقات المصرية التركية، والتى وصفها بأنها الأفضل فى العصر الحديث بين البلدين، توضح مدى التنسيق والتوافق بينهما فى مختلف قضايا الإقليم.

وفى النهاية يجب أن نعى أن هذا التحالف يخص قضايا الإقليم، ولا علاقة له بالشئون الداخلية للدول، كما أنه لا يعنى «افتقاد» القدرة، بل يعنى «تعزيزها» وزيادة تأثيرها وحصار دولة الاحتلال ومنعها من القيام بمغامرات جديدة فى الإقليم، وثالثها أنه تحالفات دفاعية تستهدف الحفاظ على الدول والشعوب.

أصبح الإقليم اليوم أقرب من أى وقت آخر لمواجهة عدد كبير من التهديدات الوجودية والخطيرة، المنطقة على أعتاب إعادة احتلالها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومثل هذه التحالفات ما هى إلا خطوة مهمة فى طريق النصر والقضاء على هذه التهديدات.