كسوار كلاسره* يكتب لـ«الوطن»: الانخراط مع «واشنطن» دون أن نفقد أنفسنا.. لعبة توازن شرق أوسطية
بينما يخطو الشرق الأوسط بحذر نحو حقبة جيوسياسية جديدة، فإن التحدى أمام دوله لا يكمن فقط فى الاستجابة للتغيير، بل فى صياغته، دون أن تفقد نفسها فى هذه العملية، فعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أربكت مرة أخرى الحسابات فى «واشنطن»، ومعها المشهد الاستراتيجى للمنطقة. وفى هذا السياق، تواجه الدول العربية ودول المنطقة فرصة فريدة: إعادة الانخراط مع الولايات المتحدة بشكل قوى وانتقائى، مع الحفاظ بكل شراسة على ثوابتها الوطنية؛ السيادة، الهوية، والتماسك الداخلى. لكن هذه النافذة ضيقة. والمخاطر أعلى من أى وقت مضى.
على مدار العقد الماضى، شهد الشرق الأوسط تحولات استثنائية: تفكك التحالفات القديمة، إعادة ضبط أولويات الخليج، جهود التطبيع بين خصوم تاريخيين، وفراغ فى السلطة ملأه فاعلون من خارج المنطقة. من «طهران» إلى «أنقرة»، ومن «الرياض» إلى «تل أبيب»، تلعب طموحات جديدة - بعضها معطِّل وبعضها رؤيوى - دورها. وفى ظل الاضطرابات العالمية الراهنة - من تحول روسيا نحو آسيا، إلى صعود الصين كمستثمر هادئ لكنه مهيمن على بنية الشرق الأوسط التحتية - بات من الملح على القوى الإقليمية أن تتنقل بين جاذبية القوى الكبرى فى العالم دون أن تصبح بيادق فى لعبتهم.
فى قلب هذا الإعصار تقف الولايات المتحدة. التى كانت تُرى ذات يوم كقوة لا غنى عنها، تعود الآن تحت قيادة ترامب لا بتواضع، بل بوضوحٍ صَفقىّ. لقد أوضحت إدارته الجديدة: لا شهية لحروب واسعة النطاق، ولا اهتمام بنشر القيم الديمقراطية، وصبر قليل تجاه الولاءات الملتبسة، بل ستسود الصفقات، وستُملى الدولارات، وستُصاغ الدبلوماسية وفقاً للمصالح الأمريكية الآنية.
فكيف تحافظ الدول الإقليمية على استقلالها الاستراتيجى مع الاستفادة من هذا الموقف الأمريكى المتغير؟
أولاً، يجب أن تتغير لغة الانخراط. أيام الاصطفاف غير النقدى مع أولويات «واشنطن» قد ولّت. يجب أن تدخل دول اليوم إلى الغرفة لا كمستجديّن، بل كشركاء متكافئين بخطوط حمراء واضحة. بالنسبة للسعودية والإمارات، يعنى هذا تعميق التعاون الدفاعى والتجارى مع «واشنطن» دون التفريط بانفتاحهما المُعاد ضبطه تجاه الصين وروسيا. أما بالنسبة للأردن ومصر، فيعنى طلب المساعدات الاقتصادية والضمانات الأمنية مع التأكيد على عدم التدخل فى الشئون الداخلية. وبالنسبة للعراق ولبنان، اللذين أنهكتهما الحروب بالوكالة، فيعنى التفاوض على مساحة لإعادة الإعمار دون التنازل عن السيادة.
ثانياً، يجب على المنطقة أن تستثمر فى النفوذ متعدد الأطراف. إن بروز تكتلات بديلة - مثل بريكس+، ومنظمة شنغهاى للتعاون، والقمم العربية - الصينية - يوفر ترياقاً لاعتمادها التاريخى المفرط على «واشنطن». إن اصطفاف السعودية الجزئى مع بريكس وبصمة الإمارات النشطة فى أفريقيا ليسا تحركات معادية لأمريكا؛ بل هما تأكيدات استراتيجية على الاستقلالية. من خلال توسيع العلاقات مع آسيا، وإحياء الروابط مع أفريقيا، وتجريب منتديات دبلوماسية جديدة بحذر، تعمل عواصم الشرق الأوسط على تنويع المخاطر، وهى خطوة متأخرة فى عالم متعدد الأقطاب.
ومع ذلك، يجب ألا يتحول الانخراط مع الولايات المتحدة إلى لعبة صفرية. إن رؤية ترامب البراجماتية تفتح باباً للدفع نحو حلول مُعرَّفة إقليمياً. ومن الأمثلة على ذلك اتفاقيات إبراهام، التى كانت فى الأصل مدفوعة بالضغط الأمريكى لكنها تتحول تدريجياً إلى أدوات دبلوماسية إقليمية بحد ذاتها. تتعلم دول مثل البحرين والمغرب كيف تحوّل التطبيع إلى عوائد اقتصادية، مع إدارة حساسة للمشاعر السياسية الداخلية.
وبالمثل، فإن انسحاب «واشنطن» من الانخراط المباشر فى سوريا واليمن وليبيا يعنى أن على الدول الإقليمية أن تتصدر جهود حل النزاعات. وهنا يجب أن تُوجّه ثوابت المنطقة؛ الهوية الوطنية، التعددية الدينية، والاستقرار الاجتماعى، الحوارات الجديدة. على سبيل المثال، يمكن لدول الخليج استخدام نفوذها على الأطراف المحلية فى السودان وليبيا ليس فقط لاحتواء إيران أو تركيا، بل لبناء دول طويلة الأمد. أما مصر، التى تواجه ضغوطاً متزايدة فى غزة وإثيوبيا، فعليها أن تعيد صياغة دبلوماسيتها المائية والحدودية كقضايا إقليمية، وهى قضايا قد تدعمها إدارة ترامب إذا رُبطت بالهجرة أو مكافحة الإرهاب.
الحفاظ على ثوابت المنطقة لا يعنى الانعزال، بل يعنى أن نعرف من نحن قبل أن نجلس على طاولة الآخرين.
تظل الولايات المتحدة قوة عالمية. قد يزعج تركيز ترامب على الاعتماد على الذات فى الطاقة والحدود الصارمة وسياسة «أمريكا أولاً» التجارية الحلفاء التقليديين، لكنه أيضاً يجبر الآخرين على إعادة تشكيل مقارباتهم. لا ينبغى للشرق الأوسط أن يخشى ذلك، بل ينبغى له أن يعامل دور «واشنطن» المتطور باعتباره اختباراً لنضجه الاستراتيجى.
هذا يتطلب دبلوماسية متقنة - مزيجاً من الوضوح والصراحة. قد لا يتحدث ترامب بلغة التعددية، لكنه يحترم القوة. إذا دخلت الدول الشرق أوسطية المفاوضات بخطوط حمراء واضحة - بشأن فلسطين: «عدم التدخل، الاستقلال الاستراتيجى» - مع تقديم شراكات تجارية وأمنية تحقق مكاسب متبادلة، فقد تجد أنه أكثر قابلية للاستجابه من أسلافه.
فى النهاية، سيكون معيار النجاح هو ما إذا كانت المنطقة ستخرج أكثر توحداً، وليس أكثر انقساماً، من خلال إعادة انخراطها مع «واشنطن». الحفاظ على ثوابتنا - ثقافتنا، هويتنا، وحقنا فى رسم مساراتنا المستقلة - يجب ألا يُنظر إليه على أنه عناد، بل هو الأساس للاستقرار ذاته.
هذه لحظة لنرفض أن نُستَدرج إلى منافسات القوى العظمى كتوابع، بل فلنجعلها لحظة لإعادة تقديم الشرق الأوسط إلى العالم - واثقاً، متصلاً، وغير متنازل عن مبادئه.
الشرق الأوسط الجديد ليس مجرد مشهد من خطوط أنابيب وموانئ، بل هو تحوّل نفسى. إنه عودة إلى سياسة قائمة على تقرير المصير.
وإذا لعبنا أوراقنا بشكل صحيح، فلن يعرفنا العالم بعد الآن بالصراع، بل بالسيادة.
* رئيس تحرير صحيفة «إسلام آباد تليجراف» - باكستان