علي الفاتح يكتب: تسليم الأسرى.. ورقة حماس الأخيرة
لا ينبغى أن نخشى ردة فعل «إسرائيل» على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فهى فى كل الأحوال تتقدم سريعاً فى تدمير غزة، وماضية ببطء نحو ضم الضفة الغربية، يقول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش.
بهذه العبارة أجاب جوتيريش عن سؤال حول المخاوف من تهديدات حكومة الكيان الصهيونى بشأن إقدامها على ضم المزيد من أراضى الضفة الغربية حال أعلنت دول غربية بحجم بريطانيا وكندا وفرنسا وبلجيكا، ضمن عشرة آخرين، اعترافها بالدولة الفلسطينية، أثناء مؤتمر حل الدولتين، المزمع انعقاده على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الثمانين.
لم يعد الأمر فى غزة يقف عند حرب تحرير مشروعة ضد محتل لا يبالى بارتكاب أبشع الجرائم الإرهابية، استناداً لأوهامه وخرافاته الدينية، حرب يسقط فيها عشرات الآلاف من الشهداء وهو ثمن دفعته كل الشعوب، التى استخدمت حقها المشروع فى المقاومة المسلحة طبقاً للقوانين والمواثيق الدولية والأخلاقية، ولنا فى الجزائر، بلد المليون شهيد، المثل الأعلى، فقد بتنا أمام خطر محدق يهدد بتصفية القضية الفلسطينية.
الظرف الإقليمى والدولى أصبح أكثر تعقيداً، ولسنا أمام وضع جيوسياسى يسمح بدعم المقاومة والشعب الفلسطينى بأكثر من الأدوات السياسية والدبلوماسية.
أبسط الأدلة على تعقد تلك الأوضاع هذا الصمت الدولى على حرب الإبادة والتجويع، وبعد أكثر من عام بدأت تصدر الإدانات الدولية لتتبلور فى موجات اعتراف بالدولة الفلسطينية تتزعمها الدول الغربية الكبرى، ولكن دون خطوات عملية لفرض عقوبات اقتصادية جادة على حكومة الاحتلال، التى تشاطرها الولايات المتحدة، زعيمة العالم الغربى، هدف تصفية القضية الفلسطينية واحتلال قطاع غزة، وتحويله إلى مشروع عقارى مربح.
لا أحد ينكر على الشعب الفلسطينى حقه المشروع فى المقاومة المسلحة، وأغلب الشعوب دعمت هذا الحق، حتى قبل السابع من أكتوبر 2023.
وخلال العامين الماضيين، كانت هناك مساحة لدى المقاومة للمناورة السياسية بورقة الأسرى الصهاينة، لكن ومع تبنى زعيم البيت الأبيض دونالد ترامب النظرة الصهيونية لقطاع غزة على نحو خاص، والقضية الفلسطينية بشكل عام، تأكد أن هذه الورقة فقدت مفعولها.
الكل بات على يقين أن زعيم التنظيم الصهيونى الإرهابى بنيامين نتنياهو لا تعنيه حياة الأسرى، وأنه يعمل على استخدامهم كذريعة للمضى فى مخطط تدمير غزة وتهجير أهلها، وبعض الصحف العبرية، قبل غيرها، أكدت هذه الحقيقة.
يتعين على حركة حماس مراجعة تقييمها لورقة الأسرى، وترى إذا كانت بياناتها بشأن توزيعهم فى كل مناطق مدينة غزة، وأنها لم تعد تهتم بحياتهم، مفيدة أو ذات جدوى، مع إرهابى مثل نتنياهو، ومجموعة من الإرهابيين المسعورين، الذين يتغذون على رائحة الدم والجثث، مثل بتسائيل سيموتريتش، وإيتمار بن غفير، وجدعون ساعر، وإسرائيل كاتس؟!
نعم أعلنت مصر أن تهجير سكان غزة خط أحمر، واستعدت عسكرياً للدفاع عن أمنها القومى، والذى لا يقف عند حد دفع مليونى فلسطينى نحو سيناء، وإنما يتجاوز إلى تصفية القضية الفلسطينية لذلك كانت الدولة المصرية، بكل مؤسساتها، صارمة فى رفض تهجير سكان غزة والضفة الغربية، لأنه فى حل الدولتين يكمن الأمن القومى المصرى.
موقع أكسيوس نقل عن مسئول أمريكى ومسئولين فى حكومة الكيان الصهيونى أن مجرم الحرب نتنياهو طلب من وزير الخارجية الأمريكى مارك روبيو أن يتدخل الرئيس الأمريكى للضغط على مصر بسبب حشودها العسكرية الهائلة فى سيناء، وهو ما يؤكد استعداد مصر للمواجهة العسكرية، إذا لزم الأمر.
لكن إن فرضت الحرب على مصر، فلن تخوضها لإزالة الكيان الصهيونى أو الدفاع عن حركة حماس، وإنما للدفاع عن أمنها القومى، وحماية القضية الفلسطينية من التصفية، وحينها لن يكون أى مستقبل سياسى للحركة، وسيُفرض واقع جديد لا مكان فيه لحماس.
صحيح أن الإدارة الأمريكية فقدت مصداقيتها، ولا يمكن التعامل مع ما تعلنه من مواقف وتصريحات إلا باعتبارها جزءاً من تكتيكاتها فى إطار سياسة الخداع الاستراتيجى، لكن زعيم البيت الأبيض فى النهاية يتبنى الموقف الصهيونى بشأن الأسرى.
إذا بادرت حماس بتسليم جميع الأسرى والجثامين عبر الوسيط المصرى، قد تحقق مكسباً سياسياً قد يتطور إلى مكاسب ميدانية على الأرض، لأنها إن فعلت ذلك ستساعد الدبلوماسية المصرية والعربية على دحض الرواية الصهيوأمريكية.
ومع هذا الزخم الأممى المتمثل فى موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ستفقد الإدارة الأمريكية ومن خلفها حكومة الإرهابى نتنياهو الذريعة، التى تستخدمها لتنفيذ مخطط التهجير، ومن ثم تصفية القضية الفلسطينية، وستتزايد الضغوط الدولية من أجل إنهاء هذه الحرب.
غير أن تسليم الأسرى ليس الخطوة الوحيدة المطلوبة من حماس، حيث يتعين عليها هى وحركة فتح إجراء مصالحة وطنية سريعة والانضواء تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، لأن ذلك من شأنه مواجهة خطة تونى بلير الخبيثة لإعمار قطاع غزة، والتى كُشف عن بعض ملامحها نهاية الأسبوع المنصرم.
خطة بلير تستبعد السلطة الفلسطينية إلى أجل غير مسمى، ولا تتحدث عن انسحاب الاحتلال الصهيونى من قطاع غزة، وتدعى كذباً أنه لن يتم تهجير سكان القطاع.
الخطة جاءت على سبيل المناورة السياسية لدحض المشروع المصرى لإعادة الإعمار، والذى حاز الدعم العربى والإسلامى، بل والأوروبى أيضاً.
خلاصة القول: للمقاومة الوطنية أشكال عدة، وفى لحظة مثل التى نحن بصددها، قد تتقدم المقاومة بالأدوات السياسية على غيرها من المقاومة المسلحة، على الأقل استثماراً لهذا الزخم الدولى المرتقب خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
فإذا فشلت كل تلك المساعى، حتى بعد تسليم الأسرى، وفرضت الحرب على مصر، لن يُنظر إلى حماس باعتبارها سبباً فى اندلاعها، بإصرارها على التمسك بورقة يستخدمها العدو الصهيونى لتدمير غزة وتهجير سكانها.
على حماس مراجعة استراتيجيتها، والمساعدة على إتاحة الفرصة أمام أدوات السياسة والدبلوماسية، ومحاولات نزع فتيل حرب إقليمية واسعة النطاق استعدت مصر لخوضها والانتصار فيها، ويستعد لها الكيان الصهيونى بصفقة.