«الجوع أو الاغتصاب والقتل».. 260 ألف «إنسان» يواجهون المأساة في غرب السودان

كتب: محرر

«الجوع أو الاغتصاب والقتل».. 260 ألف «إنسان» يواجهون المأساة في غرب السودان

«الجوع أو الاغتصاب والقتل».. 260 ألف «إنسان» يواجهون المأساة في غرب السودان

كتبت: دينا أبو زهرة

في قلب غرب السودان، حيث تمتد معاناة المدنيين بلا نهاية، ترسم «الفاشر» صورة مأساوية لمدينة محاصرة بين الجوع والموت، ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يعيش نحو 260 ألف «إنسان» فى عزلة تامة، داخل كبرى المدن فى شمال دارفور، بين خيارين قاتلين لا ثالث لهما، إما البقاء لمواجهة المجاعة والقصف، أو محاولة الهرب حيث ينتظرهم الاغتصاب والقتل على أيدي الميليشيات المسلحة، حيث تحول المدينة إلى مسرح لأبشع صور الحرب، وأصبح علف الحيوانات الغذاء الوحيد المتاح للمدنيين والأطباء، على حد سواء.

ترصد الصحيفة الأمريكية، فى تقريرها، واقعاً قاتماً خلف جدران الحصار المستمر منذ ما يقرب من عام ونصف، إذ لم يبق في المدينة سوى مستشفى واحد، هو «المستشفى السعودي»، بعد أن خرج أكثر من مئتي منشأة طبية عن الخدمة، هذا المستشفى نفسه تعرض للقصف أكثر من ثلاثين مرة، وكانت هجمات يناير الماضى الأكثر دموية، عندما قصفت طائرة مسيرة أحد الأجنحة المزدحمة بالمرضى داخل المستشفى، فقتلت أكثر من 70 شخصاً من المرضى والعاملين، وفى الوقت الراهن، يستقبل المستشفى ما بين 30 و40 طفلاً يعانون سوء التغذية يومياً، لكن ما يجدونه ليس إلا بقايا أعلاف، تستخدم عادة للأبقار والحمير، وهو ما أكده طبيب محلي ظهر في مقطع فيديو وهو يتناول وجبة مصنوعة من معجون الفول السوداني المضغوط المخصص للماشية.

وتشير الصحيفة إلى أن الحرب، التي اندلعت في السودان قبل عامين، نتيجة الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، خلفت أكثر من 12 مليون نازح، وعشرات الآلاف من القتلى، ومجاعة تجتاح مناطق واسعة، وبعد فقدان قوات الدعم السريع السيطرة على العاصمة الخرطوم، وجهت جهودها نحو دارفور، موطن غالبية مقاتليها، حيث نفذت في أبريل الماضى هجوماً مروعاً على مخيم «زمزم» للاجئين، جنوب الفاشر، أسفر عن مقتل ما بين 300 و1500 شخص، ودفع أكثر من نصف مليون إلى الفرار.

ومنذ ذلك الوقت، أقامت قوات الدعم السريع جداراً ترابياً بطول عشرين ميلاً حول المدينة، مانعة أي خروج أو دخول، ووصفت الأمم المتحدة الوضع بأنه «أسوأ مذبحة في الحرب»، فيما اعتبرت منظمات الإغاثة الأزمة المتفاقمة فى دارفور «أكبر كارثة إنسانية في العالم»، حيث تسبب الحصار المفروض على قرى وبلدات الإقليم فى تفاقم المجاعة، حيث يموت عشرات الأطفال يومياً بسبب الجوع أو الكوليرا.

وتتصاعف المأساة الإنسانية فى دارفور فى ظل عدم قدرة الأمم المتحدة على إيصال أى مساعدات للسكان المحاصرين منذ أكثر من عام، إذ تتعرض قوافلها لهجمات متكررة بطائرات مسيرة، وفي يونيو الماضى، قُتل خمسة من عمال الإغاثة، إثر استهداف قافلة مكونة من 15 شاحنة، وفي الشهر الماضي دمرت ثلاث شاحنات أخرى، ما اضطر بقية القافلة إلى الانسحاب، ومع انسداد الطرق، اضطر السكان إلى حفر ملاجئ بدائية تحت الأرض لحمايتهم من القصف، بينما يحاول آخرون تهريب كميات محدودة من الغذاء، عبر تسلق السد الترابي ليلاً، فيواجهون عقوبات وحشية تشمل الجلد أو الإعدام الميداني، وهو ما ظهر في مقاطع مصورة تداولها مؤيدو قوات الدعم السريع على قنوات «تيليجرام».

إلى جانب الجوع، يقف شبح العنف الجنسي كأحد أبشع أوجه المأساة، ويؤكد رئيس مستشفى «أطباء بلا حدود»، فى بلدة «تاويلا»، التى تبعد نحو 55 كيلومتراً عن «الفاشر»، أن ما لا يقل عن 40 امرأة تصل للمستشفى أسبوعياً وقد تعرضن لاعتداءات جنسية أثناء محاولتهن الفرار، أما من يبقون في المدينة، فهم تحت رحمة الاشتباكات العنيفة بين الجيش والدعم السريع، حيث تودى الاشتباكات المتواصلة بين الطرفين بحياة المئات في الأسواق والمخيمات.

يشير تقرير «نيويورك تايمز» إلى تعقيدات التدخلات الخارجية في الصراع، فبحسب مصادر أممية وسودانية، تعمل بعض الدول على تزويد ميليشيات الدعم السريع بطائرات مسيرة وأسلحة، فيما تداولت صور ومقاطع فيديو يُعتقد أنها تضم «مرتزقة أجانب» يقاتلون إلى جانب الدعم السريع فى «الفاشر»، ضمن ما يعرف بـ«ذئاب الصحراء»، وقدمت الحكومة السودانية ملفاً إلى مجلس الأمن، يضم نسخاً من جوازات سفر وقائمة بـ170 اسماً، قالت إنهم «مرتزقة» تستأجرهم بعض الدول للقتال ضد الجيش السودانى.

وتؤكد الصحيفة الأمريكية أن المشهد في الفاشر اليوم ينذر بما هو أخطر، تقارير حقوقية حذرت من أن الدعم السريع يستهدف المدنيين من قبيلة «الزغاوة»، ما يثير مخاوف من حدوث مذبحة عرقية إذا سقطت المدينة بالكامل بيدهم، في الوقت نفسه، تتراجع قوات الجيش والميليشيات المتحالفة معه نحو الشمال الغربي من المدينة، بينما يواصل الدعم السريع توغله، محكماً الخناق على مئات الآلاف من المحاصرين، ومع كل نداء جديد من مجلس الأمن لوقف القتال، كما حدث في أغسطس الماضى، بعد اقتحام أحد المخيمات، وقتل عشرات المدنيين، يتجدد الهجوم بعد أيام، ليحصد المزيد من الأرواح.

وتختتم «نيويورك تايمز» تقريرها بالقول إنه بينما يتلاشى الأمل في حلول دبلوماسية، يبقى سكان «الفاشر» عالقين بين «مطرقة الجوع» و«سندان الحرب»، في كارثة إنسانية تصفها المنظمات الدولية بأنها «الأكثر وحشية» فى العالم.


مواضيع متعلقة