الاعتراف بالدولة الفلسطينية.. منعطف تاريخي يبحث عن أدوات للتنفيذ
اتفقت معظم التغطيات على أن القرار يمثل «تحولاً دبلوماسياً تاريخياً»، كونه أول مرة تنضم فيها دول أوروبية غربية مؤثرة إلى موجة الاعترافات السابقة التى قادتها دول من الكتلة الشرقية والعالم الجنوبى، وانضمت إليها المملكة المتحدة. غير أن هذه التغطيات اشتركت فى تحفظ رئيسى، وهو أن الأثر العملى لهذا الاعتراف يبقى محدوداً إذا لم تتبعه ضغوط سياسية واقتصادية ملموسة على دولة الاحتلال، ودفع المجتمع الدولى لإعلان حل الدولتين على حدود 67.
فالاعتراف وحده، كما أشارت العديد من القراءات، يظل «إطاراً قانونياً بلا مضمون ميدانى» ما لم يُترجم إلى إجراءات حقيقية وتنفيذية تنقذ الشعب الفلسطينى وتعيد له الأمل فى الحياة داخل دولة واضحة الحدود.
وذهبت قراءات أخرى إلى أن هذا الاعتراف، فى هذا التوقيت، يمثل العودة إلى جذور الأزمة. فالدوافع لا تنفصل عن الإحباط الغربى العميق من استمرار الحرب فى غزة وعدم قدرة الحلفاء التقليديين لإسرائيل على كبح جماحها، بالإضافة إلى التوسع الاستيطانى المتسارع فى الضفة الغربية.
الاعتراف» جاء لإنقاذ حل الدولتين ورسالة لإسرائيل بأن الوضع الراهن سيؤدى لنتائج لا يتحملها العالم
وربما جاء قرار الاعتراف كمحاولة من الدول لـ«إنقاذ» حل الدولتين من الانهيار، وإرسال رسالة إلى إسرائيل بأن ثمن الاستمرار فى الوضع الراهن سيؤدى إلى نتائج لا يتحملها المجتمع الدولى.
أما الصحافة الإسرائيلية فقد وصفت قرار الاعتراف بـ«مكافأة للإرهاب». وهذا الرد لا يُنظر إليه كمجرد احتجاج دبلوماسى عابر، بل كتحذير من إجراءات أحادية مضادة قد تقدم عليها إسرائيل تشمل تسريع ضم أجزاء جديدة من الضفة للمستوطنات أو فرض عقوبات إضافية على السلطة الفلسطينية، مما يقلل من فرص الوصول إلى حل الدولتين. هذه الآلية قد تصنع حالة «ارتداد عكسى» حيث يؤدى الاعتراف إلى تفاقم الأوضاع على الأرض بدلاً من تحسينها.
مفاتيح الدولة الحقيقية لا تزال بعيدة بسبب الفيتو الأمريكى المساند لـ «تل أبيب» والانقسام الفلسطينى - الفلسطينى
وعلى الرغم من أن الاعتراف يرفع سقف الشرعية الدولية للدولة الفلسطينية - إذ تجاوز عدد الدول المعترفة بها 151 دولة - فإن بعض التحليلات تؤكد أن مفاتيح الدولة الحقيقية لا تزال بعيدة المنال، بسبب الفيتو الأمريكى الذى يقف عائقاً أمام عضوية فلسطين الكاملة فى الأمم المتحدة، بالإضافة إلى الانقسام الفلسطينى الداخلى وإصرار «حماس» على نهجها فى غزة، فى وقت تسعى فيه الدول الموقِّعة على الاعتراف للتعامل مع سلطة موحدة قادرة على إدارة القطاع والمضى فى المفاوضات دون خلافات داخلية.
■■ تبقى حقيقة لا مهرب منها أن قرار الاعتراف يعكس شرخاً عميقاً داخل المعسكر الغربى، حيث تميل أوروبا إلى الاعتراف بينما تواصل واشنطن دعم الموقف الإسرائيلى ونهجه الدموى.
هذا الشرخ قد يفتح الباب أمام حوار أوروبى حول طرق الضغط المناسبة على تل أبيب. ليبقى الاعتراف بالدولة الفلسطينية خطوة مهمة فى مسار طويل، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى إنجاز تاريخى إلا إذا تبعته إرادة دولية ضاغطة تحولُ دون ضياعه بين الرمزيات والتصعيدات الميدانية.