الدكتورة عقيلة دبيشي تكتب لـ«الوطن»: هل تستطيع فرنسا وأوروبا أن تكونا رقما مؤثرا في إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

كاتب صحفي

أولاً: الشرق الأوسط كساحةٍ لإعادة التشكل الجيوسياسى

منذ بداية العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، شهد الشرق الأوسط سلسلة من الزلازل الجيوسياسية التى لم تهدأ بعد: ثورات الربيع العربى، الحروب فى سوريا واليمن وليبيا، صعود داعش وانهياره، الاتفاق النووى مع إيران ثم انسحابه، اتفاقات التطبيع، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا، وأخيراً الحرب المدمرة فى غزة والتى فتحت الباب على مصراعيه لإعادة التفكير فى طبيعة النظام الإقليمى.

فى خضم هذه الأحداث أصبحت خريطة التحالفات والمؤثرين فى المنطقة أكثر تعقيداً. الولايات المتحدة ما زالت القوة المهيمنة أمنياً، بينما تتحرك روسيا والصين لملء بعض الفراغات، وإسرائيل تفرض واقعاً جديداً بفضل تحالفات أمنية مع دول عربية، فيما تسعى دول الخليج لقيادة إقليمية ذات طابع اقتصادى - سياسى. وسط هذا المشهد، يُطرح السؤال التالى: هل تمتلك أوروبا، وعلى وجه الخصوص فرنسا، القدرة والطموح لتكونا شريكاً مؤثراً فى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟

ثانياً: خصائص وأدوات القوة الأوروبية - القوة الناعمة أم التأثير الحقيقى؟

تتمتع أوروبا عموماً، وفرنسا خصوصاً، بعدد من الخصائص التى تؤهلها نظرياً للعب دور مهم فى الشرق الأوسط. فالاتحاد الأوروبى هو من أكبر المانحين والممولين لبرامج التنمية والإغاثة فى المنطقة، كما أنه شريك اقتصادى رئيسى للعديد من الدول العربية. وتمتلك فرنسا شبكة دبلوماسية واسعة، وإرثاً استعمارياً ترك لها نفوذاً ناعماً فى شمال أفريقيا وبلاد الشام.

لكن هذه الميزات سرعان ما تتقزّم أمام غياب عناصر التأثير الحاسمة: الردع العسكرى، الاستقلال الاستراتيجى، وحدة القرار السياسى، والجرأة فى اتخاذ المبادرة. أوروبا تفتقر إلى استراتيجية أمنية موحدة، وهى عملياً غير قادرة على فرض قواعد لعبة جديدة فى مناطق الصراع، ما يجعل تدخلها فى المنطقة إما تابعاً للولايات المتحدة أو هامشياً أمام التحركات الروسية والصينية.

فرنسا، ورغم محاولاتها المستمرة للعب دور أكثر تقدماً، من خلال تدخلها فى الساحل الأفريقى أو فى ملف لبنان، إلا أنها ما زالت تعانى من الإرث الاستعمارى الذى يثير الشكوك، وتواجه تراجعاً فى شعبيتها ونفوذها فى مناطق اعتادت السيطرة عليها سابقاً.

ثالثاً: طموحات فرنسا.. وحدود الفعل

فرنسا لا تخفى طموحها للعودة إلى الشرق الأوسط باعتبارها قوة فاعلة، وهى تدرك أن المكان الذى تخسره اليوم ستملأه روسيا أو الصين أو حتى تركيا. وقد ركزت باريس بشكل خاص على ملفات مثل لبنان، حيث تحاول أن تلعب دور الضامن السياسى، وسوريا حيث أبقت على تموضع محدود لقواتها، وليبيا حيث تدخلت عسكرياً بشكل مباشر، إضافة إلى محاولاتها المستمرة للعب دور فى القضية الفلسطينية.

لكن المشكلة الأساسية ليست فى غياب النية أو الدبلوماسية الفرنسية، بل فى انعدام «القدرة على فرض الإرادة». فرنسا تتحرك فى أغلب الأحيان داخل هامش ضيق مرسوم أمريكياً، وتواجه تحدياً مزدوجاً: من جهة، فقدان أدوات الضغط الحقيقية، ومن جهة أخرى، تآكل الثقة الشعبية بها فى المنطقة نتيجة مواقفها المزدوجة تجاه قضايا الاحتلال وحقوق الإنسان.

ومثال ذلك واضح فى حرب غزة الأخيرة، حيث حاولت فرنسا التحدث بلغة إنسانية وسياسية متوازنة، لكنها تجنبت مواجهة إسرائيل سياسياً أو مقاطعتها كعقاب من أجل دعم مطالب وقف إطلاق النار بوضوح، ما جعل خطابها يبدو هشاً وغير مؤثر.

رابعاً: أولويات أوروبا وفرنسا فى الشرق الأوسط - بين الأمن والهجرة والطاقة

السياسات الأوروبية فى الشرق الأوسط لا تُبنى غالباً على قيم المبادئ أو الدعم الديمقراطى، بل تنطلق من أولويات استراتيجية واقعية، تتقدمها قضايا الأمن والهجرة والطاقة.

أوروبا تخشى من زعزعة الاستقرار فى محيطها الجنوبى، لما يحمله ذلك من تدفقات هجرة غير نظامية، واتساع رقعة العنف، وتهديد المصالح الاقتصادية. ولذلك فهى تدعم -ولو ضمنياً- أنظمة استبدادية طالما حافظت على «الاستقرار الأمنى» ومنعت تدفق المهاجرين.

أما على صعيد الطاقة، فقد أدت الحرب فى أوكرانيا إلى قلب المعادلة الأوروبية، إذ بدأت دول الاتحاد تبحث بشكل عاجل عن بدائل للغاز الروسى، ووجدت فى دول مثل الجزائر، قطر، إيران، وحتى إسرائيل، شركاء محتملين لتأمين مصادر طاقة بديلة. هذا التحول يربط مصالح أوروبا أكثر فأكثر بالشرق الأوسط، لكنه لا يمنحها بالضرورة نفوذاً سياسياً، بل يجعلها فى كثير من الأحيان فى موقع التابع اقتصادياً. وفيما يتعلق بالملف الإيرانى، تتبنى فرنسا وأوروبا موقفاً داعماً للعودة إلى الاتفاق النووى، لكنها لا تملك وسائل ضغط كافية على طهران، وتعتمد بالأساس على التنسيق مع واشنطن. كما أن أوروبا لم تتمكن حتى الآن من احتواء النفوذ التركى المتصاعد فى ليبيا وسوريا والبحر المتوسط، ما يجعل قدرتها على ضبط التوازنات الإقليمية محدودة.

خامساً: التحديات البنيوية أمام أوروبا

هناك عدة معوقات جوهرية تقف حائلاً أمام قيام أوروبا بدور قيادى فى المنطقة.

أولها: الانقسام الداخلى الأوروبى، إذ تختلف مواقف باريس عن برلين وروما وبروكسل، خصوصاً فى السياسات الخارجية والأمنية. غياب استراتيجية موحدة يجعل التدخلات الأوروبية فردية أو رمزية، ويضعف قدرتها على التفاوض أو التأثير الموحد.

ثانياً: أوروبا لا تزال عالقة فى التبعية الأمنية للولايات المتحدة، خاصة عبر حلف الناتو. هذه التبعية تجعل خياراتها الخارجية مشروطة بالموافقة أو التنسيق مع واشنطن. وبالتالى فإن أى دور أوروبى يتطلب موافقة أمريكية ضمنية أو عدم ممانعة على الأقل.

ثالثاً: تواجه أوروبا تحديات متعلقة بفقدان المصداقية.

خطابها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان غالباً ما يتناقض مع دعمها لبعض الأنظمة فى المنطقة، أو صمتها عن الجرائم الإسرائيلية، ما يجعلها أقل جاذبية لدى الشعوب العربية، ويضعف قدرتها على بناء شراكات شعبية حقيقية.

سادساً: الفرص الممكنة

أين يمكن لأوروبا أن تصنع فرقاً؟

رغم كل ما سبق، فإن أوروبا لا تزال تملك فرصاً ملموسة لتعزيز دورها فى الشرق الأوسط، إذا ما تحركت بعقلانية وجرأة. من أبرز هذه الفرص:

قيادة جهود إعادة الإعمار، خاصة فى غزة ولبنان وسوريا، حيث يمكن لأوروبا أن تستثمر فى البنية التحتية والتعليم والطاقة والتكنولوجيا، وهو مجال تمتلك فيه خبرة ومصداقية.

تعزيز الوساطة السياسية فى صراعات غير محسومة، مثل النزاع الفلسطينى - الإسرائيلى، أو الأزمة الليبية، حيث لا تزال هناك حاجة لأطراف محايدة نسبياً.

بناء شراكات استراتيجية مع الشعوب، وليس فقط الأنظمة، عبر دعم مؤسسات المجتمع المدنى، وتقديم منح تعليمية وثقافية، وتشجيع مشاريع ريادة الأعمال.

ملء الفراغ الصينى والروسى بالقوة الناعمة، من خلال تقديم نموذج بديل يقوم على التنمية المستدامة، والحكم الرشيد، والعدالة الاجتماعية.

فى النهاية، يمكن القول إن الدور الأوروبى فى الشرق الأوسط يتسم بالحيوية ولكن بضعف التأثير. أوروبا، وخاصة فرنسا، تملك الإرادة الدبلوماسية والرؤية، ولكنها تفتقر إلى أدوات الفعل. وهى تتحرك فى ساحة إقليمية شديدة التنافسية، حيث تتصادم المشاريع الأمريكية والإسرائيلية والتركية والإيرانية والصينية، ما يجعل من أى تحرك أوروبى دون دعم أمنى واقتصادى وازن مجرّد هامش لا يغيّر المعادلة.

وإذا أرادت أوروبا أن تتحوّل من مراقب أو ممول إلى فاعل مؤثر، فعليها أن تُعيد التفكير فى علاقتها بالولايات المتحدة، وأن تبنى استراتيجية مستقلة فى الشرق الأوسط تستند إلى المبادرة لا الاتباع، وإلى دعم الحقوق لا التحالف مع منتهكيها.

فرنسا، بما تمتلكه من شبكة علاقات وموقع ثقافى وتاريخى، قادرة على أن تقود هذا التحول، إذا ما تحررت من عقدة الاستعمار القديم، وأدركت أن بناء النفوذ فى العالم الجديد يبدأ من كسب الثقة الشعبية، وليس فقط من خلال الصفقات والمصالح.

* أستاذة الفلسفة السياسية - باريس

ومدير المركز الفرنسى للأبحاث

وتحليل السياسات الدولية