الحروب الصليبية تحولت إلى صهيونية
على مدار ١٩٥ سنة، وتحديداً ما بين عام ١٠٩٦ وعام ١٢٩١، تعرَّض الشرق إلى ثمانى حملات صليبية، شنَّتها الدول الغربية، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا -لم تكن أمريكا قد ظهرت على الخريطة بعد- الهدف الظاهرى لها كان استرداد الأملاك المسيحية فى الشرق، ولكن فى باطنها هو الاستيلاء على أراضى وأملاك وثروات الشرق، لمنحها للأمراء الذين حرمهم قانون الإرث وقتها من ورث أى أملاك عن آبائهم، حيث كان ينص القانون وقتها على أن تؤول كل أملاك الأب المتوفى إلى الابن الأكبر فقط، وتوزَّع المنقولات على باقى الأبناء، فخلق هذا القانون أمراء بلا أملاك، فوجد هؤلاء ضالتهم فى الحملات الصليبية التى لم تكن تمت للمسيحية بصلة إلا من رمز الصليب الذى كان مرسوماً على ملابس الفرسان والجنود وعلى أسلحتهم.
واستعاد صلاح الدين الأيوبى القدس عندما واجه الحملة الصليبية الثالثة، بينما استطاع البابا فرنسيس أن يستولى على القسطنطينية خلال الحملة الرابعة، ومن بعدها فشلت الحملات الصليبية الأربع التالية، إلى أن توقفت هذه الحملات عام ١٢٩١.
لكنى أراها تعود مرة أخرى فى القرن الحادى والعشرين مع تغيير المسمى من الحروب الصليبية إلى الحروب الصهيونية وبمسحة يهودية، وبدلاً من أن كان البابوات هم المحرضين، أصبح رؤساء وزراء إسرائيل هم المحرضين والمنفذين، بينما أمريكا التى فاتتها المشاركة فى الحروب الصليبية رأت أن تدعم الحروب الصهيونية بقيادة نتنياهو، والهدف واحد فى الحربين (الصليبية والصهيونية) وهو الاستيلاء على ثروات الشرق- البترول والأراضى والقدس.
وقد قالها الرئيس الأمريكى ترامب صراحة إن إسرائيل صغيرة وأصبحت ضيقة على سكانها ويجب أن تتوسع، وقالها رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو إنه يسعى إلى خلق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أما بالنسبة للنيل فهى أضغاث أحلام، فلو حاول سيسحقه الجيش المصرى، كما فعلها فى حرب ١٩٧٣ المجيدة، مع اختلاف أننا حاربنا وقتها لاسترداد الأرض والكرامة، أما إذا قامت حرب الآن فستكون حرب وجود، وإسرائيل تعى ذلك جيداً.
أما فيما يتعلق بالفرات فإنه قد بدأ العدو الإسرائيلى فى التمهيد للوصول إليه بالفعل من خلال استيلائه على الجولان وجبل الشيخ وأراضٍ أخرى فى سوريا، وأراضٍ فى جنوب لبنان، ويهدد دول الخليج علانية بعد «ضربه قطر» ليقول لكل دول المنطقة -عدا مصر- إن يده الطويلة تستطيع الوصول إلى أى مكان، طبعاً بمساعدة أمريكا وأوروبا.
وفيما يتعلق بالقدس فقد اعترف ترامب (فى ولايته الأولى ٢٠١٦-٢٠٢٠) بأنها عاصمة لإسرائيل بعد نقله سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس فى خطوة لم يجرؤ عليها أى رئيس أمريكى قبله، وبدعمه حرب الإبادة الصهيونية البربرية على غزة، وصمته على إعادة احتلالها وتقسيمها وإقامة مستوطنات يهودية فيها، كما أعلن وزير المالية الإسرائيلى أن أول مستوطنة ستكون لضباط الشرطة والجنود المتقاعدين!.. وصمته على إعادة احتلال الضفة الغربية، مركز حكم السلطة الفلسطينية، ودعمه لإقامة مستوطنات يهودية فيها.
واهمٌ من يتصور أن النظام العالمى، المتمثل فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى، يمكن أن يوقف الحروب الصليبية، أقصد الصهيونية، فأمريكا هى التى تديرها وتمولها، وواهمٌ أيضاً من يتصور أن تتوقف أمريكا عن دعم هذه الحرب، حتى لو تمرد طيارون أمريكان على نقل قنابل وأسلحة لإسرائيل كما حدث الأسبوع الماضى، فلقد كان مصيرهم الاعتقال.
لن يحك جلدك مثل ظُفرك، الدول العربية والإسلامية يجب أن تحفظ هذا المثل جيداً، ويجب أن يقرأوا التاريخ جيداً، ليعلموا أن الحروب الصليبية لم تتوقف من تلقاء نفسها أو طواعية!
عقيدة أمريكا لن تتغير، بل ترسَّخت فى أن تقوم على الاستيلاء على أراضى الغير إما بالحرب أو بالشراء، وكذلك إسرائيل التى استولت على أرض فلسطين بوعد بلفور، ثم تتوسع على حساب أراضى الغير أيضاً بالحرب. السلام لا بد له من قوة تخلقه، ثم تزداد هذه القوة رويداً رويداً لتحميه وتثبته، وبخاصة إذا كان هذا السلام مع دولة يهودية وشعب شهرته الوحيدة على مدار التاريخ أنه كان يقتل الأنبياء المرسلين من عند الله، فما بالكم بنظرتهم وتعاملهم مع العرب والمسلمين؟!
ومن يُرد أن يتيقن من كلامى فليقرأ التجربة المصرية العظيمة وكيف أجبرت إسرائيل على السلام، بعد حرب ٧٣ المجيدة، وكيف استطاعت أن تحمى هذا السلام إلى الآن.. إلا إذا أراد العدو أن يختبرنا.. وإذا أراد أن «يجرب يقرب»!