أحياء تحت الركام في غزة.. كيف تحولت أنقاض القطاع إلى ملاذ قسري للنازحين؟
أحياء تحت الركام في غزة.. كيف تحولت أنقاض القطاع إلى ملاذ قسري للنازحين؟
على وقع الدمار والخراب، يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة أزمة نزوح حادة بلا مأوى أو مساحات خالية يلجأون إليها، وسط ارتفاع متواصل في تكلفة تأمين خيمة أو استئجار شقة، ما اضطر بعضهم لاستئجار منازل مدمرة جزئيًا، تعكس حجم المعاناة الحقيقية التي يعيشونها، وهو ما ترصده القصص المأساوية داخل غزة.. فما أبرزها؟
قصص أحلام ضائعة تحت الأنقاض في غزة
طوال عقد من الزمن، كان شادي سلامة الريس، موظف بنك فلسطيني، يسدد قرضًا عقاريًا بقيمة 93 ألف دولار لشقته في أحد المباني الحديثة والمرتفعة في حي راق بغزة، لكن حياته تغيرت جذريًا بعد أن هدمت ضربة إسرائيلية مبناه في غضون ثوان، ليتحول إلى ركام مغطى بالدخان والغبار، وهو الآن يعيش مع عائلته في فقر مدقع بعدما فقد كل شيء.
جاء هدم برج مشتهى، المكون من 16 طابقًا، في 5 سبتمبر، كجزء من حملة هدم واسعة نفذها الجيش الإسرائيلي، استهدفت المباني الشاهقة قبل الهجوم البري على وسط المدينة المكتظ بالسكان، والذي انطلق الأسبوع الماضي، في غضون أسبوعين، أعلن الجيش الإسرائيلي عن تدمير ما يصل إلى 20 برجًا سكنيًا في غزة، متهمًا حركة «حماس» باستخدامها كمراكز عسكرية، بينما أشار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى أن 50 برجا «لإرهابيين» تم تدميرها.
هذه الحملة تركت المئات بلا مأوى، وسط دمار هائل شهدته أحياء الزيتون، التفاح، الشجاعية، الشيخ رضوان وغيرها، حيث أشارت صور الأقمار الصناعية التي اطلعت عليها وكالة «رويترز» إلى دمار واسع في المنطقة منذ أغسطس، ويخشى السكان، وعلى رأسهم الريس، من أن يكون الهدف من هذا التدمير هو تهجير دائم لسكان غزة، وهو ما تؤكده مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي وصفت الحملة بأنها قد تشكل تطهيرًا عرقيًا.
المبان المقصوفة مأوي لأهالي غزة بعد دمار منازلهم
كل هذه الأحداث المأساوية خلفت العديد من القصص غير الأدمية، التي تكتظ بها الأحياء في غزة، ليصل الأمر إلى استئجار بعض المنازل المقصوفة من كمأوى لعدم وجود أماكن آمنة أو آدمية، إذ تزدحم غزة بالعديد من القصص التي نشرت على المواقع المحلية أو حتى عالميا، وبينها قصص نشرها من قبل موقع الأمم المتحدة من داخل غزة.
نصبت ليلى وزوجها خيامًا بسيطة من أقمشة وبطاطين، محاولين خلق مساحة ولو ضيقة من الخصوصية وسط ركام مبنى منهار في مدينة غزة، حيث تحولت كتل الأسمنت وأسياخ الحديد التي كانت أساسًا لهذا المبنى إلى أنقاض تملأ المكان، ليلى عبد الله، النازحة من شمال غزة، تعيش مع أسرتها في هذا المبنى المدمر بوسط المدينة، بعد رحلة نزوح طويلة مليئة بالمخاطر والصعوبات، قالت لمراسل أخبار الأمم المتحدة إنهم تنقلوا مرات عديدة، وفي كل مرة كانوا يأملون في الاستقرار قليلًا، لكن القوات الإسرائيلية كانت تلقي منشورات تطالبهم بالمغادرة مجددًا، ما أجبرهم على النوم في الشوارع لعدة ليالٍ بلا مأوى.
المبنى الذي يقطنه ليلى وعائلتها الآن كان آخر ملجأ لهم، رغم أنه بعيد كل البعد عن أن يكون مأوى آمنًا أو ملائمًا، أوضحت ليلى أنها وابنتها تضطران للنوم وسط القوارض والتلوث، مشيرة إلى أن المكان ليس إلا مساحة مؤقتة قسرية بسبب اكتظاظ النازحين في المناطق الأخرى مثل الشاطئ والميناء، وفي ظل نقص الأمن والظروف الصعبة التي يعاني منها الجميع، وصفت ليلى الوضع بـ«المأساة الكبرى»، مؤكدة أن الغذاء والماء بالكاد يتوفران لهم، وضع مماثل يعيشه محمد عبد ربه وأسرته، الذين وجدوا ملجأً وسط أنقاض مبنى مدمر، حيث أزالوا الركام بجهودهم لعدة أيام رغم المخاطر الجسيمة، لأنهم لا يملكون خيارًا آخر.
هذه الحالة ليست فريدة؛ فقد اضطر العشرات من العائلات للعيش بين أنقاض مبانٍ مدمرة، وسط نقص حاد في الخدمات وانتشار مياه الصرف الصحي في الشوارع، مما يفاقم الوضع الصحي ويهدد بوقوع كارثة، ناشد النازحون الجهات المعنية، مؤكدين أن الحياة في هذه الظروف الصعبة هي نتيجة لاختيار محدود أو معدوم للمأوى، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن حوالي 82% من مساحة قطاع غزة باتت إما مناطق عسكرية أو مناطق أمرت إسرائيل بإخلائها، ما يجعل الخيارات المتاحة للسكان النازحين ضئيلة للغاية، وسط تضاؤل مساحة الأمان وتفاقم المعاناة الإنسانية.