يسرا زهران تكتب: داخل عالم «الأثرياء السوبر» الذين يمتلكون الدنيا.. كتاب جديد عن طبقة «الواحد في المائة» التي تحيا على القمة (الحلقة الأولى)
بدأت قصة هذا الكتاب مع وباء «كوفيد-19» الذى اجتاح العالم عام 2020.
كان العالم كله يسقط فى قبضة الهلع، المحلات والأعمال تتعرض للإغلاق، وحرية الحركة تقيد إلا فى حالات الضرورة القصوى، والطواقم الطبية بالمستشفيات تنهار تحت الضغط الرهيب، بينما يتم تعليق الدراسة فى المدارس والجامعات، ويسقط عدد لا يحصى من البشر، فى كل أنحاء الأرض، بين براثن الاضطرابات النفسية والاكتئاب بسبب العزلة وانقلاب أنماط الحياة والضغوط التى لا ترحم أحداً ممن فقدوا الأحباء والمقربين.
صنعت تلك الجائحة حالة من الوحدة غير المتوقعة بين شعوب العالم، صار هناك إحساس سائد بين الشرق والغرب بأننا كبشر «نواجه هذا الأمر معاً». الكل يتبادل نصائح الوقاية، ويتشارك أساليب لدعم التلاميذ المحبوسين فى منازلهم كى لا يفقدوا سنواتهم الدراسية، والكل يحاول أن يحافظ على سلامته العقلية بعد أن وجد نفسه محاصراً عاجزاً عن التنقل بحرية بين دول العالم المختلفة وحتى داخل شوارع بلده نفسها.
كان البلاء يبدو عاماً على الكل بلا استثناء، وهو ما خفف إلى حد ما من قسوته وحدته.
لكن وكما تبين فيما بعد، كان هناك استثناء.
كانت هناك طبقة تحيا حياة موازية، فى عالم آخر يكاد يوازى هذا العالم الذى نعيش فيه، لا تسرى على أفرادها فيه القواعد التى تسرى على غيرهم من البشر، ولا يخضعون فيه للقيود المفروضة عليهم. فى «نيويورك» و«لندن» و«سيدنى» و«استوكهولم»، وغيرها من العواصم الأوروبية والعالمية، كانت تلك الطبقة «تعيش حياتها»؛ بطريقتها وبقواعدها، فوق قمة هذا العالم الذى طالما استشعر وجودها، لكن دون أن يملك القدرة على كشف أسرارها، أو النظر إلى ما وراء بواباتها الحصينة، وأبوابها العالية المغلقة.
إنها الطبقة الأكثر ثراءً ونفوذاً على وجه الأرض. الطبقة التى تجاوز أفرادها درجة الثراء الفاحش ليصلوا إلى ما يسمى بالثراء الخارق أو الثراء «السوبر»، ولا تزيد نسبتهم على 1% من البشر.
لكنهم كما يقال، يملكون كل شىء.

كان الأمر يحتاج إلى أزمة من عينة وباء «كوفيد-19»، لا يكون فيها مجال للمجاملات أو ترديد شعارات العدالة والمساواة فى مواجهة خطر الموت، ليدرك الكل من الذى يمنح نفسه فعلياً الحق الأكبر فى الحياة. شعوب العالم «المتحضر» لم تمانع كثيراً فى أن تأتى الدول الفقيرة فى المرتبة الأخيرة ما دامت هى تحصل على الرعاية أولاً. لكن فى داخل هذه الشعوب «المتحضرة» نفسها، حدث نوع من الصدمة والغضب، عندما اكتشفوا أنهم يأتون أيضاً فى المرتبة الأخيرة عندما يتعلق الأمر بقلة قليلة، لا تسرى عليها القوانين ولا القيود ولا المحظورات التى كان الكل يخضع لها فى فترة الجائحة.
هنا بدأت التساؤلات، والاعتراضات، والمقارنات بين من كان يتصور أنه يملك الكثير، ليكتشف أن ما يملكه، مهما بلغت قيمته، لا يساوى شيئاً أمام ما يملكه أبناء طبقة «الأثرياء السوبر» الذين يتربعون بأموالهم ونفوذهم على قمة الأرض.
جاءت الجائحة، فقبع الناس فى بيوتهم، وانقطع التلاميذ عن دراستهم فى فترة الإغلاق التى أتلفت أعصاب العالم كله. لكن بعض العائلات ذات الثراء «السوبر» تركت العواصم العالمية المكتظة بالقيود والسكان متجهة إلى قصورها الريفية أو الصيفية الكبيرة. بعضها الآخر صعد على متن اليخوت الفاخرة ليقيم فى جزر «الكاريبى» حتى لا يضيق بفترة الإغلاق. أما مدارس أبناء «الأثرياء السوبر»، ذات التكاليف الباهظة التى يطلق عليها مدارس الصفوة أو النخبة، فكانت تسير بقوانين أخرى غىر المدارس العامة. فى أستراليا، منحت الحكومة استثناءات خاصة لواحدة من تلك المدارس فى فترة الإغلاق حتى يسافر الطلبة فيها إلى معسكرهم الخاص فى الخلاء لمدة ستة أشهر، ليمارسوا أنواعاً مختلفة من «الألعاب البدنية والأنشطة الأكاديمية، وينتقلون من مرحلة الصبا إلى مرحلة الرجولة»، على حد تعبيرها، بينما سمحت الحكومة لطلبة مدرسة أخرى (تصل مصاريفها إلى 42 ألف دولار سنوياً) بالسفر إلى منتجع جبلى فاخر مغطى بالثلوج لكى يواصلوا دراستهم بعيداً عن الضغوط التى يعانى منها غيرهم، مع توفير إمكانية التدريب بواسطة مدربين محترفين على رياضة التزحلق على الجليد لتأهيلهم لخوض منافسات احترافية لو أرادوا فيما بعد (مقابل زيادة 17 ألف دولار للطالب الواحد).
آلاف المواطنين ظلوا عالقين فى دول أخرى، غير قادرين على العودة لبلادهم بسبب تقييد رحلات الطيران خلال فترة الوباء. لكن هذه القيود لم تكن تسرى على أفراد الطبقة «السوبر» الذين كانوا ينتقلون بطائراتهم الخاصة على هواهم، وتمنحهم الحكومات استثناءات خاصة بعدم الإقامة فى الفنادق والأماكن التى حددتها للعزل، وأن يختاروا الإقامة فى منازل فخمة من اختيارهم.
هنا بدأت التساؤلات فى تلك الدول التى طالما افتخرت بقيم الديمقراطية والعدالة والمساواة فيها. تساؤلات من نوعية: مَن هؤلاء؟ ولماذا يتمتعون بامتيازات أكثر من باقى الناس حتى فى أوقات الأزمات أمام خطر الموت الذى يفترض أن يتساوى فيه الكل؟. لماذا تنفتح أمامهم الأبواب المغلقة؟ ولا يواجهون العوائق التى يواجهها غيرهم؟ ولا يكون مطلوباً منهم الانتظار حتى يحصلوا على ما يريدون كما يفعل الجميع؟
الباحث الأسترالى «كلايف هاميلتون» كان أحد الذين طرحوا هذه التساؤلات فى وقت الجائحة. وصمم على أن يجد إجابة له حتى بعد انتهائها. تخصصه الأساسى فى علم الاجتماع، وقاده البحث وراء هذه الطبقة «السوبر» إلى تفاصيل عميقة عن ذلك العالم الجديد والمتشابك الذى تشكل على مدى العقود القليلة الماضية، لتنتج عنه نوعية جديدة من الأثرياء تختلف عن طبقة أصحاب الثراء التقليدى التى كانت موجودة من قبل، وتمتلك شروطاً خاصة للانضمام إليها، ليست الثروة وحدها هى من تحددها، وإنما يحددها أيضاً النفوذ. ليس النفوذ السياسى فقط، وإنما أيضاً النفوذ الثقافى والفكرى والرياضى والفنى.
عن تلك الطبقة التى يمثل أفرادها 1% من سكان العالم، وفى داخلها أيضاً قلة أكثر تميزاً تمثل عشرة بالمائة من هذا الواحد فى المائة (أى 0.1% من أهل الأرض)، أصدر «كلايف هاميلتون» بالتعاون مع زوجته الباحثة «ميرا هاميلتون» مؤخراً كتاباً حمل عنوان «القلائل من ذوى الامتيازات». أعلن فيه ما توصل إليه بعد سنوات من البحث الاجتماعى العميق والجاد عن الطريقة التى تشكلت بها تلك «الطبقة السوبر» فى دول العالم، وكيف يحافظ «الأثرياء السوبر» على مساحة خاصة بهم، تفصلهم عن باقى الناس، وتبقى من ليس منهم بعيداً عنهم، فى الوقت الذى يبتكرون فيه أدوات وطرقاً جديدة لضمان انتقال امتيازاتهم إلى أبنائهم من بعدهم، على الرغم من تقلبات ذلك العالم الذى نحيا فيه.
لم تكن مهمة «كلايف هاميلتون» لسبر أغوار وأسرار عالم «الأثرياء السوبر» مهمة هينة. وعلى حد تعبيره هو نفسه فى كتابه، فإنه على من يريد أن يكتب عن «الأثرياء السوبر» أن يكون أولاً واحداً منهم. هى طبقة تحترف، كما يقول، اتخاذ وضعية معينة أمام الكاميرات عند إجراء لقاءات أو تحقيقات حولها. يقدم أفرادها أنفسهم للعالم فى صورة خيرة أو واثقة، لا تظهر كيف يفكرون ولا كيف يتعاملون مع الناس من حولهم. أغلب الاهتمام ينصب على الطريقة التى جمع بها «الأثرياء السوبر» أموالهم، أو كيف ينفقونها، على الرغم من أن مجرد امتلاك الأموال الطائلة لا يكفى إطلاقاً لكى يعتبر أحدهم واحداً من هذه الطبقة التى تشكلت على مدار العشرين عاماً الماضية، وتبدو دائماً وكأنها تحيا فى طبقات الجو العليا، فوق الرءوس، لا يهتم أفرادها بتكديس الأموال بقدر ما يهتمون بفكرة «التميز» والحصول على امتيازات لا يحصل عليها الآخرون (ومن هنا جاء اختيار «هاميلتون» لعنوان كتابه الذى يصفهم بـ«ذوى الامتيازات»).
لكى تتكون لدينا صورة عن شكل هذه الطبقة الجديدة من «الأثرياء السوبر» (وهم بالمناسبة كما يرى «هاميلتون» من ألد أعداء طبقة أصحاب الثراء السريع وغيرهم ممن كانوا يعرفون من قبل باسم «الأثرياء الجدد»، كما سيتضح لاحقاً فى صفحات الكتاب)، ولكى نفهم معنى فكرة «الامتيازات» التى تعتبرها هذه الطبقة أهم ما يمكن للمال أن يشتريه، يحكى لنا «هاميلتون» عن عضوية نادٍ خاص بأحد خطوط الطيران العالمية الشهيرة. يوصف أعضاء هذا النادى بأنهم ينتمون إلى «النادى السرى» والأكثر حصرية والذى يضم بين أعضائه من هم على القمة من قادة الأعمال والسياسيين وقضاة المحاكم العليا والمشاهير الأكثر تميزاً. يقال إن عضوية هذا النادى هى أقوى علامة على علو المكانة والشأن. ودعوات الانضمام إلى هذا النادى الحصرى، والتى لا بد أن يوافق عليها رئيسه أولاً بنفسه، تعتبر جائزة تحظى بتقدير كبير، لا تحصل عليها إلا قلة مختارة بعناية بواسطة خبراء شركة خطوط الطيران، الذين يحرصون على ألا يضم ناديهم إلا أصحاب النفوذ الأكثر تأثيراً فى قمة المجتمع.
ويتابع «هاميلتون»: «إن امتلاك ثروة طائلة وحدها لن يدخلك إلى هذا النادى، كذلك لن يمنعك نقص هذه الثروة من الانضمام إليه. بالمناسبة لا توجد رسوم عضوية تدفعها للانضمام إلى هذا النادى (!) ما يهم هنا هو أن يكون لديك رأس المال الأكثر جاذبية وصعوبة فى تحديده: النفوذ والتأثير. لو كان عندك ما يكفى من التأثير والنفوذ السياسى أو المالى أو الرياضى أو فى مجتمع الأعمال، إذاً فربما تكون أمامك فرصة كى تصبح عضواً فى هذا النادى الحصرى».
لا توجد تفاصيل كثيرة عما يحدث فى هذا النادى، كعادة كل ما يحيط بطبقة الأثرياء السوبر، لكنه صورة مصغرة تعكس ما تمثله. هو ينقل إحساساً بالانتقاء والاصطفاء فى كل تفاصيله ليشعر من يدخل إليه بمدى أهميته. وفقاً لـ«هاميلتون»: «فبمجرد أن يدخل الأعضاء من بوابات المنطقة الحصرية للنادى، التى لا تحمل أى علامات مميزة، يجدون أنفسهم وسط جو راقٍ، هادئ، فسيح، تستقبلهم فيه خدمة عملاء احترافية لا تسبب إزعاجاً ولا تلفت الانتباه، تبادرهم بسؤال عما إذا كانوا يريدون الحصول على تدليك أو أى خدمة أخرى للاسترخاء. لكن الأهم أنه فى داخل تلك المنطقة لا بد أن تجد حولك أبرز الوجوه فى عالم السياسة ومجتمع الأعمال، فيشعر من يدخل إليه أنه محاط بأشخاص يشبهونه. هذا هو سر تميز ذلك النادى الحصرى واختلافه عن كل نوادى خطوط الطيران العالمية الأخرى التى تقدم خدمات مميزة لعملاء القمة فيها، إن خبراء ذلك النادى، بمزيج من الحدس والعلم، يعرفون كيف يستهدفون أفراد النخبة الأكثر تأثيراً فعلياً فى قمة المجتمع ليدعونها للانضمام إلى ناديهم الحصرى الذى يسعى الكل للانضمام إليه».
هذه الطبقة التى لا تشكل أكثر من 1% من المجتمع الدولى، كشفت كما يقول «هاميلتون»، عن مدى التباين الحاد فى توزيع الثروات الذى أصبح سائداً فى العقود الأخيرة. داخل نسبة الواحد فى المائة تتزايد ثروات العشر من هذه النسبة (0.1%) بشكل أكبر بكثير من باقى الواحد فى المائة. مصدر تلك الثروات ليس المرتبات والدخل، وإنما من العوائد على الأصول ورءوس الأموال. ولو أردنا تخيلاً أوسع لخريطة الثروة الحالية فى العالم، فإن أسفل طبقة «الثراء السوبر»، أو الواحد فى المائة، يمكن أن تجد ٩٪ من سكان العالم من الأثرياء «العاديين»، ممن يعملون كأطباء ومحامين وأصحاب محلات تجارية كبرى أو غيرها من المشروعات. لكن طالما ما زال أحدهم «يعمل» بالمفهوم التقليدى من أجل الحصول على المال، لا يكون مؤهلاً للانضمام إلى طبقة الواحد فى المائة (وحتماً لا يرتقى إلى الطبقة الأعلى منها التى لا تزيد عن العُشر من هذا الواحد بالمائة).
معنى هذا أن من ينتمون لهذه الطبقة هم أمثال أصحاب شركات التكنولوجيا العملاقة التى وصلت ثرواتهم إلى أرقام خيالية، وبعض أصحاب عائلات الأعمال الشهيرة التى ما زالت تحتل قائمة «فورتيون 500» للأكثر نفوذاً وثراءً فى مجتمع الأعمال. قد تجد فيها بعض الحاصلين على جائزة «نوبل»، أو المفكرين والمؤلفين الذين وضعوا نظريات أو ألفوا كتباً غيرت تفكير العالم فى مرحلة ما، وحققوا بها شهرة واسعة تجعل الجامعات العالمية تتسابق لاستضافتهم بشكل مستمر، بالإضافة طبعاً إلى بعض الرياضيين العالميين المحترفين الذين تتساوى شهرتهم مع ثرواتهم، والمشاهير فى المجالات الفنية المختلفة الذين تصل شهرتهم إلى كل بقاع الأرض، ومعهم بعض المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعى على مستوى العالم. تلك هى النماذج التى تمتلك أصولاً «غير مالية» أخرى بخلاف عامل الثروة، مثل التأثير والشهرة، التى تضمها طبقة الواحد فى المائة، وتنفتح لها الأبواب المغلقة أمام الآخرين.

يصف «هاميلتون» أن هؤلاء «الأثرياء السوبر» يسيرون فى العالم وهم يشعرون أنه طوع أمرهم. تعرفهم من حالة الثقة غير المتناهية التى تبدو وكأنها تسرى من كل جزء فيهم، فى نظراتهم وطريقة تحركهم وهيئتهم العامة التى يتشربونها منذ نعومة أظافرهم، كما يظهر واضحاً مثلاً فى فتيات مدارس الصفوة العالمية التى تسير الواحدة منهن وهى تشعر أن مستقبلها فى العالم مضمون، وأنها حرة تماماً فى التحرك كما تريد فى المكان الذى تريد، كما لو كانت تعلم كل شىء عن كل جزء فى العالم من حولها. هذا الإحساس بالثقة أمر يمتصه أبناء «الطبقة السوبر» فى منازل عائلاتهم، وفى مدارسهم باهظة التكاليف، فى الأنشطة الخيرية التى تسهم عائلاتهم فيها لزيادة المكانة والصورة الاجتماعية. إنها مكانة أخرى، أكثر رسوخاً وتميزاً، تختلف عن مكانة أصحاب السلطة أو النفوذ السياسى وأبنائهم، الذين تتبخر مكانتهم وأهميتهم بمجرد زوال المنصب السياسى، مهما كان مؤثراً.
ومن هنا اختار «هاميلتون» مدخلاً غير تقليدى لفهم هذه «الطبقة السوبر». قرر أن أهم ما يميز أفرادها عن باقى الناس هو الأماكن التى يختارونها للإقامة والمعيشة والسكن، والمدارس التى يقررون إدخال أبنائهم فيها. هذه المساكن والمدارس هى التى يتم فيها «تكوين» أفراد هذه الطبقة، وبناء العلاقات والجسور بين أصحاب الثروات الحالية ومن سيتولون إدارة هذه الثروات فى المستقبل. يصبح لهؤلاء الأفراد طبيعة خاصة، مميزة يتم تشكيلها منذ الصغر. تفصلهم عن باقى الناس، وتقربهم أكثر فيما بينهم، وإن كان «هاميلتون» يرى أنهم بمرور الوقت، وبسبب تلك الامتيازات التى يحصلون عليها دون جهد يذكر، وبغير وسائل العمل والكسب التقليدية، سوف يسببون ضرراً نفسياً واجتماعياً ومالياً لكل من يقعون خارج دائرة معارفهم وعلاقاتهم، أو بمعنى أدق لمن يقعون «تحتهم»، أى لـ99% من سكان الأرض.
وأول تلك الامتيازات التى يحرص عليها أبناء طبقة «الأثرياء السوبر»، ولا يترددون فى إنفاق ما يملكون من أموال طائلة لتأمينها هى امتياز تملك المساحات الواسعة.
ثرواتهم الطائلة ونفوذهم الكبير يجعلانهم أصحاب تركيبة نفسية وذهنية معينة، يقول عنها «هاميلتون»: «إن من تعامل عن قرب مع هذه «الطبقة السوبر» يدرك أنهم لا يرتاحون فى الأماكن التى يكون عليهم فيها أن يزاحموا الآخرين لأى سبب. هم لا يحبون الجموع. وأطفالهم يكبرون وهم معتادون على امتلاك قدر كبير من المساحة الشخصية التى يتحركون فيها بحريتهم ويظلون هكذا طيلة عمرهم. إن هذه الطبقات العليا تحب أن تشكل حدوداً واسعة تفصل بينها وبين غيرها، لأن هذا الفصل يؤكد لها تميزها. تجد هذا مثلاً فى الملاعب الرياضية الكبرى التى يتمتع فيها أصحاب «الثراء السوبر» بمشاهدة المباريات براحتهم فى مناطق معزولة خاصة من وراء نوافذ زجاجية. وفى بعض الدول التى قامت بتنظيم كأس العالم لكرة القدم مؤخراً، تم تصميم المناطق الخاصة بالشخصيات «شديدة الأهمية» بحضور المباريات دون أذى احتكاك من أى نوع مع الجماهير».
ويتابع «هاميلتون»: «هذه المساحات الواسعة الفاصلة بين «الطبقة السوبر» وغيرها تحتل مكانة مهمة فى عالمهم الخاص. إن عدم ارتياح أبناء هذه الطبقة لاختلاطهم بهؤلاء الآخرين من خارج طبقتهم، يقل كثيراً عندما يشعرون بقدرتهم على التحكم فى المكان والمساحة التى يوجدون فيها ويتحكمون بالتالى فى هؤلاء الآخرين الذين يدخلونها. الأهم، أن حرية الحركة والانتقال بين الأماكن الحصرية التى لا يدخلها إلا أبناء هذه الطبقة أمر يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لهم كذلك، ولا يوجد مثال يبرز فيه كل ما سبق أكثر من حب هذه الطبقة لامتلاك اليخوت البحرية».
اليخت، أو بمعنى أكثر دقة «اليخت السوبر»، شديد البذخ والرفاهية والتطور، يمتلك سحراً وجاذبية خاصة للأثرياء السوبر. عن ذلك يقول «هاميلتون»: «دائماً ما ينتظر الكل أن تجذب هذه اليخوت الانتباه وتخطف الأنظار عندما ترسو فى الموانئ الراقية مثل إمارة «موناكو» وغيرها. لا شىء يشير إلى كونك من «الأثرياء السوبر» أكثر من امتلاكك لـ«يخت سوبر». لكن امتلاك مثل هذه اليخوت يحمل بعداً نفسياً أكثر عمقاً من مجرد بريقها الظاهرى. هى ترسل رسالة بأن قدرة الإنسان على الانسحاب والبعد وفق إرادته هى الرفاهية الكبرى بحق. أحد ملاك هذه اليخوت الفارهة قال: عندما تكون فى اليخت الخاص بك، ولا يعجبك جارك (أى صاحب اليخت المجاور لك) فما عليك إلا أن تقول للكابتن الذى يقود دفة اليخت: دعنا نذهب إلى مكان آخر بعيداً عن هنا».
ومثل اليخوت الفارهة، يلعب امتلاك الجزر الخاصة دوراً فى تحسين نفسية «الأثرياء السوبر» وإحساسهم بالتميز والانفصال عن الآخرين. يقول «هاميلتون»: «من يمتلك جزيرة خاصة يشعر أن هناك محيطاً ممتداً يفصل بينه وبين باقى العالم (وهو إحساس يجرب جزءاً منه على متن اليخت الفاخر). هذا الإحساس الثمين بالعزلة والخصوصية يصعب الحصول عليه بالنسبة لمن يعيشون على الأرض أو اليابسة، إنه احتياج للحصول على أكبر قدر من المساحة والفضاء على المستوى الذهنى والجسدى. أحد أشهر هذه اليخوت على مستوى العالم، هو ذلك اليخت الباذخ الذى يمتلكه صاحب كازينوهات قمار شهيرة، يبلغ طول اليخت مائة متر، ويقال إنه واحد من أكثر اليخوت إثارة للإبهار. تم تصميمه خصيصاً لكى يضم على متنه كل أسباب الرفاهية لمن يريد أن يهرب به إلى أكثر مناطق العالم جمالاً وبعداً عن العيون».
تلك اليخوت تبدو هى المكان المفضل الذى يلتقى فيه الشباب من أبناء «الطبقة السوبر»، ممن يمتلكون يخوتاً خاصة بهم، تعتبر هى المكان الذين يمارسون عليه حياتهم الاجتماعية. يحكى «هاميلتون» عن الطريقة التى يتواصل بها هؤلاء الشباب على متن يخوتهم الخاصة، قائلاً: «معظمهم تربطهم صلات عائلية أو درسوا فى نفس المدارس والجامعات. يكونون معاً مجموعة خاصة على وسائل التواصل ويرسل كل واحد منهم إحداثيات موقع اليخت الخاص به ثم يحددون مكان اللقاء فى مكان ما فى عرض البحر. يقضون معاً بعض الوقت بعيداً عن الأضواء والأنظار التى تلاحقهم، ويقيمون صداقات وعلاقات اجتماعية جديدة بين بعضهم البعض. هكذا يكون شكل حياتهم الاجتماعية».

وربما كان أكثر الأشكال تطرفاً لحرص هذه الطبقة على العزلة والخصوصية وإيجاد مساحات فاصلة بعيدة عن الآخرين، وامتلاك مكان خاص لا يصل إليه أحد هرباً من الزحام والتطفل والإزعاج السمج الذى تفرضه الحياة الاجتماعية كما يقول «هاميلتون»، هو البعثات التى يطلقها الملياردير الأمريكى الشهير «إيلون ماسك» إلى المريخ!.
هى طبقة إذاً تهرب فى سعيها للخصوصية من البر إلى البحر، ومن البحر إلى الفضاء الخارجى! لكن عالمها على الأرض ما زال أكثر تشابكاً وتعقيداً، والخريطة التى ترسمها للأماكن التى تشغلها فى حياتها اليومية يكشف الكثير عن تركيبتها النفسية وتفكيرها.
لكن هذه قصة أخرى.