هل تتجه أمريكا إلى دفن أهم بنود الدستور الذى تفخر به ويقر حرية التعبير؟ دلالات عدة وقائع شهدها الإعلام المقروء والمرئى فى أمريكا تؤكد أن مثل هذه النصوص المثالية التى تباهت بها أمريكا عبر عقود لم تعد تساوى فى الواقع أكثر من مجرد شعارات تلاشت، لتصبح مجرد أداة لخدمة الاستقطاب السياسى الحاد بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى. قائمة المحرمات فى المنابر الصحفية والإعلامية بعدما كانت تقتصر على التزام الولاء وإبداء التعاطف مع إسرائيل، سواء ظالمة أو مظلومة، هى الحد الفاصل الذى يمنع من الاقتراب أو التشكيك فيه. دخل النقد الذى يعبر عن أى اختلاف مع السياسة الأمريكية دائرة المنع والإقصاء لمن يجرؤ على الإعلان عنه تحت ذريعة نشر خطاب الكراهية.
بداية من الشهر الماضى بدأت سلسلة مطاردة برامج «the late show»، وهى تعتبر مصدراً إعلانياً هاماً لأى قناة، مع إعلان قناة «cbs» إيقاف برنامج لأشهر مذيعيها الترفيهيين ستيفن كولبرت، الذى يعتبر من أشد منتقدى الرئيس الأمريكى ترامب وإدارته. القرار جاء رغم شعبية البرنامج ونسب المشاهدة العالية التى يحققها، حيث ظل البرنامج الحوارى الأعلى تصنيفاً مقارنة بباقى هذه النوعية من البرامج.
صحيفة «واشنطن بوست» قررت طرد الصحفية المخضرمة كارين عطية، وهى كاتبة رأى منذ 11 عاماً فى الصحيفة، على خلفية منشورات ضمن التعليقات على اغتيال الناشط اليمينى شارلى كيرك، أحد أبرز الشخصيات المقربة من «ترامب»، حيث تناولت منشورات الصحفية تداعيات هذا الحادث على تفاقم ظاهرة العنف السياسى فى أمريكا، وحديثها العلنى عن المعايير العنصرية المزدوجة ولا مبالاة أمريكا تجاه حيازة الأسلحة. «عطية»، من أصل غانى، ردت على أحد المعلقين: «إن عدم المجاهرة بحزنها على رجل أبيض تبنَّى العنف -كيرك- ليس عنفاً»، دفعت ثمن هذه الكلمات الطرد من وظيفتها.
جيمى كيميل، أحد أشهر وجوه التليفزيون الأمريكى على قناة «abc»، كما قام أيضاً بتقديم حفل جوائز الأوسكار عدة مرات، طال برنامجه الإلغاء، إثر تعليقات بشأن اغتيال «كيرك». وجاء الرد سريعاً من رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، الذى لوَّح بسحب تراخيص البث من المؤسسات المرتبطة بشبكة «abc» فى حال قيامها بعرض برنامج «كيميل». قرار القناة أثار انتقادات واسعة بين السياسيين والعاملين فى مجال الإعلام تجاه موقف القناة الإذعان لتهديد سحب تراخيص البث، متهمين الشبكات الإعلامية بإعلاء مصالحها الاقتصادية على حرية التعبير. بعد مرور أسبوعين على قرار الإيقاف أجبرت موجة الانتقادات القناة على التراجع عن قرارها وإعادة عرض البرنامج. كما طالت الإدانة تهديدات لجنة الاتصال، وأن مهمه اللجنة أصبحت شرطى التعبير فى يد «ترامب». تعاقب من يراهم خصوماً فى الإعلام وتكافئ المحسوبين عليه. الإجراءات الإقصائية أيضاً أثارت التساؤلات والمخاوف بشأن مستقبل برنامج جون ستيوارت «the daily show» الذى استضاف الإعلامى باسم يوسف فى مجموعة حوارات تناولت القضية الفلسطينية ومختلف القضايا العربية.
التهديدات التى أطلقها «ترامب» بعد عودته من زيارته إلى بريطانيا فى حديثه للصحفيين عن عزمه تقديم اقتراح إلى رئيس لجنة الاتصالات سحب تراخيص البث من شبكات تليفزيونى وأخرى اتهمها بانتقاده، تمثل خطوة خطيرة نحو تآكل حرية التعبير، وأن حادث اغتيال الناشط «كيرك» قد استخدم ذريعة لإقرار إجراءات رقابية واسعة النطاق، فى خطوات متتالية تشير كلها إلى تخلى الحكومة عن التزامها بحماية الحريات الدستورية.
تآكل الضمانات الدستورية بدأ يلقى بظلاله على المشهد الإعلامى فى أمريكا، وهى طالما اعتبرت حجر الأساس للديمقراطية الأمريكية كحامية للحقوق المدنية. بينما فى المقابل، أمريكا استخدمت حريات التعبير كذريعة سياسية يثيرها الإعلام ضد دول تتخذ مواقف مخالفة سياسياً، إذ ليس بعيداً عن الذاكرة حجم التنظير والتحفز الذى مورس على مصر بعد ثورة 30 يونيو، بعيداً عن تقصى الحقائق من أرض الواقع، لمجرد أن مصر أقصت مخطط ما سُمِّى الإسلام السياسى، الذى كان يحظى بترحيب من قرارات الدوائر السياسية الأمريكية.