حقيقة الاعتراف بالدولة الفلسطينية

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

فى مارس من عام 2002، عقد مؤتمر القمة العربية فى بيروت، وطرح الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، مبادرة للسلام وافقت عليها الدول العربية، تتضمن انسحاب إسرائيل الكامل من كل الأراضى العربية المحتلة فى 5 يونيو 1967، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وفى المقابل ستحظى إسرائيل بتطبيع كامل وسلام شامل مع الدول العربية، وقد تم التأكيد فى المؤتمرات التالية للقمم العربية فى 2007 و2009، ولكن إسرائيل أضاعت الفرصة، فمن المؤكد أنها لو كانت قد حظيت بالتطبيع مع الدول العربية منذ ذلك الحين لكانت قد حققت مكاسب هائلة أكبر بكثير من هذا الجنون الذى يعيشه الآن الشعب الإسرائيلى.

ضاعت الفرصة تماماً مثلما أضاعتها الدول العربية التى وقفت فى وجه «السادات» بعد مبادرة السلام فى نوفمبر 1977، وما تلاها من مباحثات ميناهاوس وكامب ديڤيد وصولاً إلى معاهدة السلام فى مارس 1979، وبدلاً من الوقوف خلف هذا الرجل، قامت حملة تخوين وشتائم وإساءة فى حقه وحق مصر، وتبارت دول ما أطلق عليه (جبهة الرفض) فى هذه الحرب غير الشريفة التى انتهت باغتيال السادات وسط جيشه، وانتهى معها حل كان من الممكن أن يكون شاملاً وعادلاً.

فرص كثيرة قد ضاعت من أجل السلام، ضاعت من الجانبين العربى والإسرائيلى، ولو كانت إحدى هذه الفرص قد لاقت نجاحاً، ما كان الوضع فى المنطقة وصل لما آل إليه الآن، ولعل السبب الرئيسى فى هذا الفشل المتواصل هو غياب الزعامة الحقيقية التى تمتلك شجاعة القرار والتنفيذ على الجانبين، ثم المزايدات التى كانت تسيطر على الجانبين خوفاً من ردود فعل الشعوب.

ثم نأتى اليوم وقد اختلطت الأمور وأصبحنا منذ السابع من أكتوبر 2023، وعلى مدى عامين نرى الأطفال والنساء يقتلون، والبيوت تتهدم، والبنية التحتية تتهدم، وشعباً بأكمله يُباد ويُشرد أمام أعين العالم، بينما حكومات الدول الغربية تمد إسرائيل بالسلاح من ناحية وتبدى استنكارها من أجل الأسرى الإسرائيليين من ناحية أخرى، ولا ترى على الجانب الآخر المآسى فى غزة والضفة الغربية، ولا تستمع لصيحات وتظاهرات شعوبها المنددة بالجرائم الإسرائيلية.

حتى يأتى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذى عُقد منذ أيام قليلة، يتوالى قبله وأثناءه اعتراف بالدولة الفلسطينية من بريطانيا وأستراليا وفرنسا وكندا وغيرها من الدول التى لم تطلق الاعتراف دون أن تغلفه بشروط عديدة، مثل الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين ونزع سلاح جماعة حماس، وهى شروط لا يملك تنفيذها سوى جماعة حماس، كما أن هذا الاعتراف لن يغير كثيراً فى الواقع الفلسطينى المأساوى، حتى إن فلسطين لا تمتلك حتى الآن عضوية كاملة فى الأمم المتحدة.

يأتى هذا الاعتراف الذى هلل له العالم أجمع وما زال الجيش الإسرائيلى يمارس إجرامه فى غزة ويطارد ويقتل العزل من الشيوخ والنساء والأطفال، وما زالت الدول الكبرى تقدم المساعدات اللوچيستية والسياسية والدعم الكامل لإسرائيل، ولا تزال القيادة الفلسطينية غير موحدة، وبالتالى فإن الأيام المقبلة ستكون كاشفة لحقيقة هذا الاعتراف إن كان عن إيمان حقيقى بحق الشعب الفلسطينى فى الأرض والحياة والدولة، أو كان لتهدئة الشعوب الحرة التى لحقها العار بما جرى ويجرى على أرض غزة.