أشرف غريب يكتب: مجرد سؤال جدير بالتأمل
تستوقفنى دائماً ملحوظة مهمة تدعونى للتأمل والدهشة، هذه الملحوظة تخص علاقة سنوات العمر بحجم الإنجاز أو الأثر الذى يتركه المرء خلفه بعد الرحيل، وفى حياة المشاهير كثير من تلك الوقائع تقفز أمام عينى، فلئن كان من البديهى أن يتناسب حجم الإنجاز أو الأثر مع طول العمر كحال كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وجارة القمر فيروز، فإن هناك آخرين -بطبيعة الحال- عاشوا قدر ما عاشوا ولم يتركوا بصمة أو يحدثوا أثراً، فأهملهم التاريخ ولم يتوقف أمامهم بشر.
لكن التاريخ يحدثنا أيضاً عن حالة ثالثة لأناس لم تتجاوز سنون عطائهم على الأرض بضع سنوات، ومع ذلك كانوا لافتى الأثر بالغى التأثير، أو على الأقل ظلوا مثار حديث الناس حتى بعد رحيلهم، خذ لذلك مثلاً فنان الشعب خالد الذكر الموسيقار الراحل سيد درويش المولود عام 1892 والذى رحل عن دنيانا عام 1923 عن واحد وثلاثين عاماً، هذا الرجل الذى أحدث ثورة موسيقية نقلت موسيقانا كمبدعين ومستمعين إلى آفاق القرن العشرين، بعد أن حررها من قيود الصنعة العثمانية.
وأضفى عليها قدرة تعبيرية كانت غائبة عنها قبل ظهوره وقيامه بتلك الثورة التى أحدثها، قدم فنان الشعب نحو واحد وثلاثين أوبريتاً مسرحياً غصت بما يقرب من مائتين وأربعين لحناً، بخلاف أعماله الأخرى خارج نشاطه المسرحى من أدوار وطقاطيق وأناشيد وطنية وحماسية، وهذا العطاء المتدفق كله كان فى ست أو سبع سنوات فقط بين عام 1917 حين قرر ترك الإسكندرية والاستقرار فى القاهرة، وعام 1923 حيث توفى عشية عودة زعيم الأمة سعد زغلول من منفاه بعد أحداث ثورة 1919.
لنأخذ مثلاً آخر بطلته هذه المرة هى المطربة أسمهان، وأسمهان لمن يتفحص تاريخها ليست مجرد فنانة قدمت للسينما فيلمين وعشرات الأغنيات الخالدة، وحباها الله بقدرات صوتية خارقة جمعت بين القوة والمرونة والتفرد والمساحة العريضة وحسن التدريب، وهى أيضاً ليست فقط امرأة أغرتها لعبة السياسة فى زمن كان فيه العالم كله فى حالة عداء، فساهمت بصورة غير مباشرة فى تغيير خريطة منطقة الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين تعاملت فى آن واحد مع رجال المخابرات البريطانية والفرنسية والألمانية والوكالة اليهودية فى فلسطين، وظنت أنها قادرة على خداع كل هؤلاء، فدفعت حياتها ثمناً لتجاوزها الخطوط الحمراء فى تلك اللعبة الخطرة.
ولسنا فقط أمام امرأة عرفت كل رجال السياسة فى مصر وكان بإمكانها أن تحكم البلاد من خلال علاقتها برئيس الديوان الملكى أحمد حسنين ومدير الخاصة الملكية مراد محسن، ولسنا فقط أمام سيدة تزوجت ثلاث مرات، وأوقعت عشرات الرجال فى حبها أو امرأة حاولت الانتحار مرتين، وتعرضت للاغتيال مرتين، ثم رحلت فى حادث غرق لا يزال غامضاً إلى اليوم، والشىء المدهش أنها فعلت ذلك كله واستطاعت التنقل عدة مرات بين القاهرة وبيروت والقدس وعمان ودمشق والسويداء وأنقرة ولندن لتفعل ما فعلته فى أقل من سبع سنوات وقبل أن تكمل الثلاثين من عمرها.
فماذا عن المخرج عز الدين ذو الفقار؟ عاش الرجل أربعة وأربعين عاماً فقط، ومع ذلك كتب قبل رحيله قائلاً: لقد عشت مائتى عام، كان عز يؤمن بحكمة تصح أن تكون مفتاحاً لفهم ما فعله فى السنوات القليلة التى عاشها «إن الحياة تأخذ منك، فخذ منها أنت قبل أن تأخذ هى منك»، وربما لذلك عاش ابن الموت وعاشت أفلامه الثلاثة والثلاثون التى قدمها فى خمسة عشر عاماً فقط، كان يعب الحياة عباً، وينهل منها كما لو كانت تلك هى ساعته الأخيرة فى الدنيا غير عابئ بما يمر به من أزمات صحية، أفرط عز فى كل شىء: فى عشقه للرياضة وللثقافة والموسيقى، وفى مغامراته، وفى عمله، وفى إخلاصه لأهله وأصدقائه، أفرط فى التدخين والسهر، وقبل ذلك كله فى عواطفه حباً دون كره، ميلاً بغير صد، منحاً بلا تمنع أو جباية، تدرج بين الحياتين العسكرية والمدنية، تزوج مرتين، وعرف كثيراً من التجارب الإنسانية، دون أن يشغله ذلك عن عطائه الفنى ومدرسته الرومانسية التى أرساها فى السينما المصرية وتلك الأفلام التى بقيت خالدة فى ذاكرتنا السينمائية.
لنتذكر أيضاً المخرج عاطف الطيب ألفة جيله، والرجل الذى دشن بفيلمه المهم «سواق الأوتوبيس» لتيار الواقعية الجديدة فى ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، هل تتخيلون أن «الطيب» قدم للسينما فى ثلاثة عشر عاماً واحداً وعشرين فيلماً من بينها علاماته الساطعة: سواق الأوتوبيس، البرىء، ملف فى الآداب، كتيبة الإعدام، الهروب، ضد الحكومة، وناجى العلى، وهذا كله قبل أن يكمل الثامنة والأربعين من عمره حيث توفى فى الثالث والعشرين من يونيو 1995؟
والقائمة تطول لتشمل كاميليا ونعيمة عاكف وعلاء ولى الدين، وعمر فتحى وعامر منيب، وغيرهم بخلاف مئات النماذج من عرب وأجانب فى كافة مجالات الحياة.. نعم الأعمار بيد الله، ولا أحد يعرف متى يحين الأجل، فلكل أجل كتاب، لكن هل هناك حقاً من يمكن أن نطلق عليه «ابن موت»؟ هل يشعر مثل هؤلاء بأن حياتهم قصيرة، وأن عليهم أن ينهلوا منها قدر ما يستطيعون، أو يعيشوها طولاً وعرضاً وعطاء إنسانياً باقياً؟ إنه مجرد سؤال جدير بالتأمل.