كتب وسط القاهرة
من أهم وأجمل عواصم العالم الكبرى، أسواق الكتب القديمة التي سبق قراءتها، تتميز كل عاصمة بسوق أو أكثر لبيع هذه الكتب التي يكون من بينها درر من أمهات الكتب. من سماتها البارزة، رخص أسعارها، فبعد الارتفاع الكبير في أسعار الورق المستورد من الخارج بسبب ارتفاع سعر الدولار، صار المثقفون يبحثون عما يشبع هواياتهم في أسواق الكتب القديمة.
على نهر السين في باريس عاصمة النور يوجد سوق مشهورة لبيع الكتب النادرة والقديمة، صار هذا السوق معلما أساسيا من معالم باريس الثقافية والسياحية، يندر أن يمر مثقف بباريس إلا وكان مبتغاه سور السين.
منذ سنوات هاجمت بشدة ومعي زملاء من الكتاب والصحفيين محافظ الإسكندرية عندما اضطهد باعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيل والذي يعتبر سوق الكتب القديمة في الإسكندرية، وصفته بأنه هولاكو الكتب، بعدما قاد حملة للمحليات بعثر فيها الكتب وأتلفها بدون أن يدري أنه إنما يضر المدينة أكثر مما يضر البائعين وأنه يشوه المعامل الجميلة للمدينة بطرد باعة الكتب وإحلال باعة «البالة» أو الملابس المستعملة محلهم.
والفرق شاسع بين السلعتين، فالكتب سلعة المثقفين وتدل على رقي المجتمع الذي تتداول فيه، بينما سنجد باعة البالة – ولهم كل التقدير والاحترام بالنسبة لمهنتهم – ينادون على سلعتهم كما ينادي باعة الخضر والفاكهة.
في القاهرة توجد سوق للكتب في سور الأزبكية القديم الذي نال شهرة عالمية، ورغم المطاردات والمضايقات من المحليات إلا أن السوق مازال يمارس بيع وشراء الدرر القديمة، أدخلوا على السوق فوق محطة مترو العتبة باعة الملابس الداخلية بمكبرات صوت مزعجة، لكن المثقف يتغاضى ويتحمل من أجل الكتاب.
طالبت خلال وجودي في المجلس المحلي لمحافظة القاهرة بتحديد أماكن من خلال المحافظة وبناء على اتفاق مع الباعة يكون فيها أكشاك مرخصة لبيع الكتب، لكن للأسف لم تستجب المحافظة.
وتم نقل بعض الباعة إلى جوار محطة مترو السيدة زينب، لكن المكان هناك مقفر ولا يشجع على الذهاب لأن الإنارة ضعيفة للغاية والمنطقة ليست مطروقة بالنسبة لمن يحب القراءة.
الآن أشعر بوجود حركة مريبة لطرد باعة الكتب من وسط القاهرة، وهو أمر أتعجب له، لأن باعة الكتب لا يلوثون المكان ولا يتعاملون إلا مع المثقفين، وفي الوقت نفسه تتغاضى المحليات عن باعة الملابس الذين يشغلون الطريق بطريقة فجة ويعطلون المرور، كما يسببون إزعاجا كبيرا باستخدامهم الميكروفونات، بجاني أن عددهم كبير للغاية، فقد احتلوا شوارع كاملة داخل وسط القاهرة، مثلهم مثل المقاهي التي تستولى على الشوارع ولا تترك للسيارات والمارة إلا مساحة صغيرة جدا.
أطالب محافظ القاهرة وهو ابن من أبناء المحليات أن يعالج موضوع باعة الكتب بما يليق بالسلعة التي يبيعونها، وألا يسمع لمن يقول أنهم يشغلون الطريق، فغيرهم لا يشغل الطريق، إنما يحتل الطريق ولا أحد يقترب منهم.
هل هذا مواطن وذاك مواطن؟!! إذا كنت تريد تفريغ وسط القاهرة من الباعة الجائلين، فابدأ بالأكثرية في ميدان العتبة أمام المسرح القومي – لأول مرة في حياتي أرى باعة يفترشون المكان أمام أكبر مسرح رسمي في البلاد –، وفي شارع 26 يوليو الذي صار شارع البالة رسميا ولا أعرف إن كانت المحافظة رخصت ببيع البالة أم أن التجار استولوا على شارع مهم مسببين ارتباكا كبيرا في حركة المرور، وفي شارع شبرا بعد النفق مباشرة وفي أماكن أخرى عديدة، لا أعتقد أن بها باعة للكتب، لأن عددهم صغير ولا داعي لمطاردتهم وطردهم من أماكن تعود المثقفون على التردد عليها لشراء المعرفة.
وسؤال: هل ستطرد باعة سينما ديانا من مكانهم؟.
الكتب زينة للمدينة، والقاهرة مدينة تستحق أن تتزين بزاد المعرفة، وحتى ذلك يعتبر ميزة سياحية تؤكد قوة مصر والقاهرة الناعمة . إن المكسب من وراء طرد باعة الكتب لا يساوي خردلة، بينما توفيق أوضاعهم سيجعل من وجودهم ميزة للعاصمة الكبرى في المنطقة.