السر الطبي الأخير لـ عبدالناصر.. وثائق روسية تكشف تفاصيل المعركة الصامتة مع المرض
السر الطبي الأخير لـ عبدالناصر.. وثائق روسية تكشف تفاصيل المعركة الصامتة مع المرض
- ذكرى وفاة جمال عبدالناصر
- جمال عبدالناصر
- الزعيم جمال عبدالناصر
- ذكرى وفاة الزعيم جمال عبدالناصر
- الرئيس الراحل جمال عبدالناصر
وراء ملامحه القوية وخطاباته الحماسية التي أشعلت حماس الجماهير العربية، كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يخوض معركة صامتة، لم تُعلن على المنابر ولم تُكتب في الصحف، معركة لم تكن سياسية ولا عسكرية، بل صراع طويل مع مرض خفي ظلّ طي الكتمان خوفًا من أن يستغله الأعداء في وقتٍ دقيقٍ من تاريخ المنطقة.
اليوم، وبعد عقود على رحيله، يكشف كتاب نادر كتبه كبير أطباء الكرملين الستار عن أسرار تلك السنوات الأخيرة من حياة الزعيم، ويروي تفاصيل مذهلة عن رحلة علاجه في الاتحاد السوفيتي، وكيف حاول إخفاء مرضه حتى عن أقرب الناس إليه، قبل أن يرحل في 28 سبتمبر 1970، تاركًا وراءه لغزًا ظل مخفيًا لعقود.
أسرار علاج عبدالناصر يرويها الطبيب الروسي
وفي كتابه يتحدث البروفيسور يفجيني تشازوف وزير الصحة السابق وكبير أطباء الكرملين عن بعض جوانب الفترة التي تولى خلالها علاج الرئيس جمال عبدالناصر، قال إنّ البداية كانت في يوليو 1968 يوم اتصل به بريجنيف هاتفيًا ليطلب منه بحث إمكانية علاج شخصية صديقة، أضحت في وضع صحي مترد للغاية، لا يعرف المعطيات التي اعتمدها بريجنيف، لكنه ألمح إلى وجود أورام ما يبدو أنّها في المسالك البولية، وطلب أن يشارك في مناقشة الأمر فقط الاختصاصيون الذين يثق بهم تمامًا، وحذر كي لا تتسرب أية أنباء حول الأمر إلى جهات أخرى، بحسب ما نشر بمجلة «الأحرار» في أكتوبر 1992.
وفي اليوم التالي اجتمع في غرفة مكتبه الصغيرة بشارع جرانوفسكي عدة اختصاصيين مصريين جاءوا مع عبد الناصر وكذلك كبار اختصاصيين الأجانب مثل الجراح مايات وطبيب المسالك البولية ابرامیان، وروى الأطباء المصريون أنّ عبدالناصر أخذ في العام الأخير يشكو من آلام في القدمين شعر بها لأول مرة لدى المشي فترة طويلة، ومن ثم أثناء النزهات القصيرة، أما الآن فهو يشعر بالألم حتى لدى الجلوس بلا حركة، علما بأنّ الآلام كانت فقط في باطن القدمين، وفيما بعد أخذت تظهر في الفخذين أيضًا وأخذ يشعر بـ «تنميل» في القدمين وظهرت على الأصابع بوادر الغرغرينا، وعلامات الإصابات في البشرة، لقد كان الرئيس يعاني من اختلال في تمثيل الشحوم والسكريات، وواصل على مدى أعوام كثيرة تدخين السجائر قوية المفعول مثل «كاميل»، وحسب أقوالهم لم تظهر لديه أعراض الإصابة بالقصور التاجي.
واعتمادًا على ما ذكره الأطباء والوثائق والفحوص التي جلبوها معهم تولد حكم قاطع بعدم وجود أي أورام، وأنّ المقصود هو الإصابة العادية بتجلط الأوعية الدموية، مع بدء اختلال الدورة الدموية فيها، لكنهم لم يستطيعوا إعطاء قرار نهائي إلا بعد فحص الرئيس، ولم يُبد الأطباء المصريون في البداية حماسًا لفكرة لقاء مع عبدالناصر فلم يوافقوا على فحصه، خاصة مع خشية الجانب المصري من تسرب أي نبأ عن مرض الرئيس.
وبسؤال الأطباء قال إنّه يشكو من آلام فظيعة في الساقين والفخذين، حتى أدرك الأطباء أنّ المرض أنهكه ولكن كان لابد من الحفاظ على إخفاء المرض، وكان أول طلب للأطباء هو التوقف عن التدخين، فاستدعى حينها الرئيس مرافقه على الفور وأعطاه علبة السجائر التي كانت ملقاة على الطاولة والولاعة وأمره قائلًا: «يجب ألا تبقى قريبة مني وتذكر أنني لا أدخن منذ هذا اليوم، لو كان الأمر يتعلق بي فقط لتحملت، لكن المسألة تمس مصر أيضًا»، وقد حافظ على كلماته بثبات.
وحينها أكدت الفحوصات صواب التشخيص وهو تجلط في الأوعية الدموية في الساقين، ونظرًا لعدم جدوى إجراء عملية في الأوعية، تطلب الأمر اتباع الأساليب التقليدية في العلاج وهي استخدام المياه المعدنية في سخالطوبو التي أعطت في بعض حالات الإصابة بمثل هذه الأمراض تأثيرًا طبيًا، ووافق الرئيس الراحل على الاقتراح من حيث المبدأ.

كان الطبيب يخشى أن يُبدي عبدالناصر عدم ارتياحه مع مكان الإقامة المتواضع في سخالطوبو خاصة وأنّ الغرف كانت مفتوحة وتبلغ مساحة الواحدة منها 14 مترًا مربعًا، حتى أنهى عبدالناصر هذا الشك بإعجابه بالمكان خاصة وأنّه جاء هنا للعلاج، وأعجب كثيرًا بعلاج المياه المعدنية وبدا بسيطًا في مخالطة الجميع، وما أدهش الأطباء هو تحسن حالته الصحية بسرعة فقد زالت الآلام ولم يعد يشعر بالأرق الملازم لهذا المرض، وبدأت نزول أعراض الاضطرابات والغرغرينا تدريجيًا من أصابع القدمين، ولم يكن الطبيب ينتظر هذه النتائج السريعة لا سيما أنّه لم يكن يؤمن كثيرًا بالعلاج بواسطة المياه والطين.
لم يكن عبدالناصر يغادر أبدًا المكان الصغير المخصص له باستثناء ارتياد الحمامات للعلاج والنزهات، ثم تمت الدورة العلاجية وشد عبدالناصر الرحال للعودة إلى وطنه في حالة طبية ومزاج رائق وقبيل السفر، قدم له الأطباء التوصيات الطبية بالالتزام بالنظام الغذائي والبعد عن الانفعالات والتوتر، واتفقوا على زيارة مصر بعد 3 أو 4 أشهر لتقييم الآثار اللاحقة للعلاج إلا أنّ عبدالناصر رفض وقال إنّه يحترم الأطباء المصريين الذين يتولون علاجه قائلًا: «إنّ الشعب لن يفهمني».
الأيام الأخيرة في حياة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر
وتلقى بريجنيف برقية عاجلة وردت من القاهرة بسرعة الحضور إلى الرئيس عبدالناصر، وبعد إجراء الفحوصات ورسم القلب تبين ظهور احتشاء في عضلة القلب، فأبلغوا ذلك إلى الأسرة والمقربين للرئيس، إلا أنّ الجميع كان يحاول ألا تتسرب هذه الأنباء، لأنّ الإسرائيليين كان من الممكن أن يستغلوا أنّ الرئيس المصري مصاب بمرض عضال لا شفاء منه، وحينها سأل عبدالناصر عن موعد التحسن قائلًا: «متى يمكن التطلع إلى المستقبل باطمئنان نهائيًا، لا تتصور أنني لا أثق بأحد أو أشكك في توصياتكم لكن هذا الوضع الخطير في ظل تعزيز قدراتنا الدفاعية وبناء جيشنا الحديث، فقد يؤدي غيابي لفترة طويلة إلى إضعاف هذا المجهود»، وحينها أوصى الطبيب بإعلان أنّ الرئيس مصاب بالأنفلونزا لا سيما أنّها كانت إصابة شائعة في القاهرة خلال تلك الفترة.
وفي أوائل سبتمبر 1970 كان عبدالناصر يعمل بدون راحة وبإجهاد عصبي وبدني كبيرين من أجل إعادة وحدة العرب التي أخل بها الصراع بين الملك حسين والفلسطينيين، وحين تحسن الوضع وبدا أن المشاكل انتهت أصيب مرة أخرى بالاحتشاء القلبي الذي أدى إلى وفاته، إذ كانت حياة عبدالناصر المتوترة والمترعة بالانفعالات لا تناسب رجلًا شديد المرض مصابًا بتجلط الأوعية الدموية وبنوبة من الاحتشاء القلبي، يقول الطبيب: «يقال في بلادنا في مثل هذه الحالات إنّ الرجل احترق، وقد احترق الرئيس المصري في خضم الصراع السياسي».