كيف قتلت قرارات «إدارة ترامب» سيدة وطفلها على الطرق الجبلية في اليمن؟
كيف قتلت قرارات «إدارة ترامب» سيدة وطفلها على الطرق الجبلية في اليمن؟
فى قلب قرية يمنية بسيطة بمحافظة «المهرة» كانت «فاطمة»، الأم الشابة، تستعد للحظة ولادة انتظرتها طويلاً، يداها تحتضان بطنها بابتسامة تحمل مزيجاً من الخوف والفرح، كانت تحلم بأن يضيف مولودها الثالث دفئاً جديداً إلى بيتها الصغير، لكن ما بدأ كفرحة ولادة تحوَّل، فى ساعات قليلة، إلى مأساة مزدوجة، جنازة أم وطفلها، ضحية قرار سياسى اتُّخذ على بُعد آلاف الكيلومترات، فى العاصمة الأمريكية واشنطن.
وبحسب صحيفة «الجارديان» فإن قصة «فاطمة» ليست حادثة فردية، بل هى صورة مكثفة لتداعيات قرار إدارة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بوقف تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لبرامج صندوق الأمم المتحدة للسكان «UNFPA»، ذلك البرنامج الذى كان يمثل شريان حياة لملايين النساء فى اليمن، حيث كانت تلك السيدة الشابة، مثل غيرها من نساء قريتها، تعلم أن الولادة فى اليمن محفوفة بالمخاطر. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة تموت امرأة كل ساعتين بسبب مضاعفات الحمل أو الولادة، فيما يبلغ معدل الوفيات 118 حالة وفاة بين كل 100 ألف ولادة حيّة، مقارنة بـ8 حالات فقط فى بريطانيا، لكن الأمل كان يراودها بأن العيادة المحلية أو المستشفى القريب سيقف إلى جوارها إذا ساءت الأمور.
عندما داهمتها آلام المخاض هرع والدها ووالدتها إلى عيادة «العيص» القريبة، هناك استقبلتها الطبيبة «ريم»، وأكدت أن المؤشرات الأولية تبدو مطمئنة، رغم حاجة «فاطمة» سابقاً إلى نقل دم، لكن سرعان ما تدهورت حالتها مع تقدم المخاض، إذ بدأ نبض الجنين فى الانخفاض بشكل مقلق، وبدت الولادة الطبيعية مستحيلة. لم يكن أمام الأطباء سوى إجراء عملية قيصرية عاجلة، وعلى الفور اتصلت «ريم» بمستشفى «سيحوت» القريب، على بُعد عشر دقائق فقط، غير أن الصدمة جاءت سريعة، فقد رفض المستشفى استقبالها، السبب لم يكن نقص الكفاءات الطبية، بل نفاد وقود تشغيل المولدات، كان المستشفى يعتمد على تمويل أمريكى، عبر صندوق الأمم المتحدة للسكان، لكن قرار إدارة ترامب بوقف التمويل أوقف خدماته الحيوية، بما فى ذلك غرف الطوارئ والعمليات القيصرية.
يقول الدكتور سعيد مبارك، مدير المستشفى: «توقف دعم صندوق الأمم المتحدة للسكان جعلنا عاجزين عن تقديم الرعاية الطارئة، لم نعد قادرين على تشغيل المعدات، أو توفير الأدوية، أو حتى الاحتفاظ بكادر طبى كافٍ»، وبلا خيار آخر، تم نقل «فاطمة» فى سيارة إسعاف إلى مستشفى «الريدة»، على بُعد أكثر من ساعة ونصف، عبر طرق وعرة. فى البداية بدا أن محاليل العلاج ساعدتها قليلاً، لكن سرعان ما ظهرت علامات النزيف الداخلى وتمزُّق الرحم. ومع ارتجاجات السيارة فوق الطريق الجبلى بدأت الأم الشابة تفقد وعيها، وتقول «سارة»، الممرضة التى رافقتها: «وضعتها فى حجرى، كنت أبحث عن نبضها ولم أجده، طلبت من المسعف أن يلقنها الشهادة، لكنها كانت قد فارقت الحياة قبل وصولنا».
بذلك رحلت «فاطمة» وطفلها الذى لم يخرج للنور. صدمة أسرتها لم توصف، إذ ظن شقيقها، العائد من السعودية، أن النساء المتجمعات فى البيت كُنَّ فى انتظار الاحتفال بزفافه، لكنه اكتشف أنهن اجتمعن للعزاء، فيما ظل زوجها يعيش فى عزلة وصمت، غارقاً فى مأساة فقدان زوجته وابنه الذى كان ينتظر خروجه للحياة بفارغ الصبر.
وتعتبر «الجارديان» أن هذه القصة المؤلمة تكشف «كيف تحولت قرارات سياسية باردة إلى أداة قتل غير مباشر»، فبينما أصرت إدارة ترامب على أن «أحداً لن يموت» جراء خفض المساعدات فإن الوقائع تشير إلى عكس ذلك تماماً، ووفقاً لبيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان أدى وقف 45 منحة أمريكية، بقيمة 336 مليون دولار، إلى حرمان ما يقرب من 1.5 مليون امرأة يمنية من خدمات طبية منقذة للحياة، إضافة إلى توقف 44 مرفقاً صحياً، و10 مراكز آمنة، و14 فريقاً متنقلاً عن العمل، بجانب مركز للصحة النفسية، كان الوحيد من نوعه فى البلاد، وعن ذلك تقول انشراح أحمد، ممثلة الصندوق فى اليمن: «وفاة فاطمة، التى كان يمكن تجنبها بالكامل، هى نتيجة مباشرة لوقف التمويل»، محذرة من أنه «إذا لم يتوافر الدعم اللازم فإن هذه المآسى ستتكرر بلا نهاية».
ووفقاً للصحيفة البريطانية فإن مأساة «فاطمة» وطفلها تعيد طرح سؤال جوهرى: «كيف يمكن للعالم أن يقبل أن تتحول المساعدات الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسية، بينما يدرك الجميع أنها شريان حياة لملايين البشر؟ وهل يمكن أن تظل حياة الأمهات فى اليمن مرهونة بقرارات تُتخذ خلف أبواب مغلقة على بُعد آلاف الكيلومترات؟»، وتؤكد أن ما حدث فى قرية «ذُبيعة» يفضح بوضوح الفجوة بين الخطاب السياسى والواقع على الأرض، فبينما تتباهى الدول الكبرى بالتزاماتها الإنسانية، تُترك نساء، مثل «فاطمة»، يواجهن الموت وحدهن على أسرَّة متداعية، وفى سيارات إسعاف تسابق الزمن على طرق وعرة.