جمال عبدالناصر: الزعيم الذي مات وبقي حياً

كانت لحظة وفاة جمال عبدالناصر مثل لحظة ميلاده السياسى مفصلاً فى تاريخ هذه الأمة. لحظة بدت وكأنها صدمة كهربائية هزت الجسد كله، وأطلقت ما كان مكبوتاً فى أعماق الوجدان المصرى والعربى. فالتاريخ، حين يريد أن يكتب صفحاته، لا ينتظر طويلاً، وإنما يختار لحظاته الفاصلة بقدر من الدقة لا يترك مجالاً للصدفة. وهكذا كان عبدالناصر، ميلاداً ورحيلاً، علامة فارقة على طريق أمة تحاول أن تعثر على نفسها بين أمواج قرن عاصف. اختلف الناس فى جمال عبدالناصر، واشتد حوله النزاع، ولكن الذى لم يستطع أحد أن ينكره هو أن الرجل كان ولا يزال مُلهِماً لشعبه. ملهماً على نحو يثير الدهشة، كيف لرجل أخطأ وأصاب، أن يبقى فى ضمير الناس حياً، حاضراً، يخرج من قبره فى كل أزمة كأنه لم يرحل؟

لقد كان المشهد بعد هزيمة ١٩٦٧ قاسياً، بل مهيناً. العالم كله ظن أن عبدالناصر انتهى، وأن مصر انتهت معه. والشعب نفسه سخر منه كما يسخر من حكامه جميعاً. لكن المعجزة لم تكن فى هزيمة ولا فى سخرية، بل كانت فى أن الشعب ذاته خرج بعد أيام إلى الشوارع، يطالبه أن يبقى، ويرفض أن يتنحى. قالوا له: «لقد أصبحت رمزاً للتحدى، فلا تتركنا». وهنا بدأ عبدالناصر مرحلة أخرى من الحكم، مرحلة التحدى فى وجه الهزيمة، وكأن القدر أراد أن يضعه فى امتحان لم يسبقه إليه زعيم.

هذا الشعب الغريب، الغاضب والساخر، هو نفسه الذى غنى مع عبدالحليم حافظ بعد النكسة «عدى النهار»، والدمع فى العيون يتلألأ بالأمل، وهو ذاته الذى شيع عبدالناصر فى جنازة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، يبكى ويغنى فى وقت واحد: «الوداع يا جمال يا حبيب الملايين». لأول مرة كان الشعب هو المطرب وهو الكورس وهو الجوقة، وكان الموت نفسه مناسبة لإعلان ولادة جديدة لزعيم تحوّل إلى أسطورة. إن السر، ببساطة، فى كلمة واحدة، هى التحدى. كان عبدالناصر، برغم كل الانتقادات التى وجهوها له، عنواناً للتحدى. أما غيره، وإن بدا أكثر ديمقراطية أو ليبرالية أو واقعية، فقد كان عنواناً للتراجع. والتاريخ عند الأمم لا يرحم المتراجع، وإنما يقدّس المتحدى. لكن، من أين جاء عبدالناصر؟ وما سر هذا الرجل؟ هل هو نتاج قدر محتوم فرض نفسه على الأمة؟ أم هو رجل صنع قدره بيده، وفرض نفسه على التاريخ؟

فى هذا الميدان، يقف الفلاسفة على طرفين، فإن كنت ترى أن الإنسان مُسَيَّر، فاسخط على القدر الذى جاء به. وإن كنت ترى أن الإنسان صانع لقدر نفسه، فاسخط إن شئت على عبدالناصر. أما الحقيقة فهى أن الرجل سواء جاء به القدر أو جاء هو بنفسه كان استجابة لحاجة الأمة إلى رمز، وكانت الأمة مستعدة لتقبله، بل لتصنع منه أسطورة. لم يكن عبدالناصر ضابطاً سطحياً كما ادعى البعض، ولم يكن مجرد قائد انقلاب عسكرى كما حاولوا أن يصوروه. لقد كان قارئاً نهماً، واسع الأفق، غاص فى كتب العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم، وقرأ لهوجو وديكنز، وتأثر بالفكر الإسلامى الإصلاحى عند محمد عبده، وبأفكار مالك بن نبى. وحين وصل إلى السلطة، لم ينس الثقافة ولا الأدب ولا الفن. جعل للتعليم شعاراً من كلمات طه حسين: «كالماء والهواء»، وأطلق المسرح المصرى والسينما المصرية ليكونا منارات فى المنطقة، وجعل للعلم عيداً، ومن المثقفين رفقاء فى بناء الدولة.

كان عبدالناصر يعرف قيمة الرمز. وكان يدرك أن الأمة العربية تبحث عن صوت يوحدها، فكانت «صوت العرب».

وكان يعرف أن الإسلام عنصر أساسى فى تكوين هذه الأمة، فكانت بعثات الأزهر وإذاعة القرآن الكريم.

وكان يعرف أن التليفزيون المصرى، فى زمنه، يمكن أن يصبح نافذة على العالم العربى كله، فصار أول تليفزيون فى المنطقة. لم يكن ذلك كله مصادفة، وإنما كان جزءاً من إدراكه أن الزعامة ليست سياسة فقط، وإنما هى ثقافة، وإلهام، ورمز.

ولكى نفهم عبدالناصر، لا بد أن نعود إلى بداياته: ذلك الصبى الذى قاد اتحاد طلاب المدرسة الثانوية، وشارك فى المظاهرات، وتلقى الهراوات على رأسه. ذلك الشاب الذى انضم إلى «مصر الفتاة» فلم يجد فيه نفسه، ثم إلى «الوفد» فلم يرضه، حتى قرر أن يصنع طريقه بنفسه. ذلك الضابط الذى شارك فى حرب ١٩٤٨، ورأى بعينيه هزيمة الجيوش العربية أمام العصابات الصهيونية، فعرف أن ساعة التغيير لا بد أن تأتى. إنه لم يكن مجرد حاكم لمصر، ولا حتى مجرد زعيم عربى. لقد كان حالة، حالة من التحدى، تجسدت فى رجل، فصار الرجل أسطورة. ومهما قيل فيه من نقد، ومهما كُتب عنه من هجاء، يبقى أن سره الأعظم هو أنه كان عنواناً للتحدى. والتحدى، فى تاريخ الأمم، هو كلمة السر التى تفتح الأبواب الموصدة، وتُلهب الخيال، وتستنهض الإرادة. وهكذا، بعد خمسة وخمسين عاماً من رحيله، لا يزال جمال عبدالناصر حاضراً بيننا: فى الصور المرفوعة، فى الهتافات المرددة، وفى دموع الملايين يوم وداعه. وكأن الرجل يقول لنا من وراء الغياب: الزعامة ليست موتاً ولا حياة، وإنما هى لحظة تحد تتحول إلى خلود.