السينما المصرية «جوهرة» تاج المقاومة الفلسطينية
لم يعرف التاريخ يوماً دعماً سياسياً وشعبياً على كل المستويات كما قدّمت مصر للقضية الفلسطينية، ربما قبل نشأة فلسطين نفسها والكيان بقرون، فعلى مر العصور اعتبرت مصر فلسطين البوابة الشرقية لها وبداية أمنها القومى منذ عهد الفراعنة وكانت بالمرصاد لكل من يحاول تهديد أمنها بداية من الصليبيين وحتى التتار فهى المدافع الأول عنها وتجلى هذا فى موقعة عين جالوت قرب غزة، وفى العصر الحديث كانت مصر حائط الصد الأساسى والمدافع عن القضية منذ وعد بلفور وحتى الآن.
ومع بدايات شهر أكتوبر الحالى يتجلى انتصارنا على العدو الذى ما زال يتمادى فى بلطجته بالمنطقة، فلم تقف مصر موقف المتفرج بل رفضت مشروع القرن ورفضت التهجير القسرى للشعب الفلسطينى فى غزة على لسان السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى قالها فى كل خطاباته خلال العامين الماضيين «لا للتهجير ولا سلام إلا بحل الدولتين»، وحققت الدبلوماسية المصرية نجاحاً كبيراً باعتراف عدد كبير من دول العالم بفلسطين.
وكان للقوى الناعمة معاركها أيضاً بجانب القوى الدبلوماسية، فقد صال وجال الفن المصرى بإبداعات متنوعة لدعم القضية ربما هو الأبرز والأكبر بين فنون المنطقة وخاصة دول الجوار لفلسطين، ودعنى هنا عزيزى القارئ أبحر فى إبداعات السينما العربية وبالأخص دول الصراع فيما قدموا من رؤى متنوعة تجاه القضية.
لن أبالغ إذا قلت إن السينما والفن المصرى قدّما أعمالاً تفوقت على أصحاب القضية نفسها ويكفى التفاعل اللحظى للفن المصرى فور إعلان وعد بلفور عندما غنت الفنانة ليلى مراد «مأساة فلسطين» عام 1947 فى فيلم «شادية الوادى» وهى الفنانة المصرية اليهودية وبعدها ببضعة أشهر سافرت الفنانة والمنتجة عزيزة أمير إلى فلسطين لإنتاج وتصوير فيلم «فتاة من فلسطين» بطولة زوجها ومخرج وبطل الفيلم محمود ذو الفقار ليُعرض عام 1948 ومن هذا الفيلم انطلقت السينما المصرية وقدمت ما يزيد على 50 فيلماً روائياً طويلاً ومئات من الأفلام التسجيلية والوثائقية والروائية القصيرة تعبر عن مراحل تطور القضية بداية من رفض الاحتلال وإعلاء المقاومة فى أفلام «أرض الأبطال، الله معنا، أرض السلام، وداع فى الفجر، وصراع الجبابرة»، ثم الدخول فى مواجهات مباشرة مع العدو لتقدم أعمال أخرى بها الحث المقاوم مثل «بورسعيد وأغنية على الممر» وغيرهما، وبعد انتصار أكتوبر واتفاقية السلام وظهور أفلام مثل: الأقدار الدامية، الوفاء العظيم، الرصاصة لا تزال فى جيبى، أصحاب ولا بيزنس، باب الشمس الذى أعتبره من أفضل الأعمال التى قُدمت عن القضية، والسفارة فى العمارة، وليلة البيبى دول، رغم عدم اقتناعى ببعض مشاهده خاصة الاعتراف بالهلوكوست وحتى فيلم «الممر» الذى جسد الصراع بكل ما فيه.
هذا فضلاً عن كم المسلسلات التى تناولت الصراع بشكل مباشر وغير مباشر مثل «العائلة، امرأة فى زمن الحب، فارس بلا جواد، فرقة ناجى عطا الله»، وأخيراً «مليحة» الذى يعد واحداً من أهم مسلسلات القضية فى الفترة الأخيرة.
أمام هذا الكم رُحت أبحث فى سينما دول الصراع وعلى رأسها السينما الفلسطينية فلا أنكر أنها قدمت إبداعاً قوياً وخاضت معارك فى المحافل الدولية وحصدت الجوائز ولكن الكم لديهم يميل إلى الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة، أما الأفلام الروائية الطويلة فهى قليلة ولكنها حصدت جوائز عالمية أعقد أهمها «الجنة الآن» للمخرج هانى أبواسعد الذى رُشح للأوسكار، ولولا النفوذ الصهيونى لاقتنص الجائزة، وكم حزنت لسفره لأمريكا وتقديم أعمال تجارية بعيداً عن القضية وبرز مخرجو المهجر الفلسطينى فى التعبير عن قضايا اللجوء وقدموا أعمالاً متميزة واستطاع عدد من المخرجين الفلسطينيين فرض القضية مثل إيلى سليمان ورشيد مشهراوى ونجوى نجار، وغيرهم.
أما السينما السورية فكان التفاعل الأبرز فيلم «3 عمليات داخل إسرائيل» 1969، ومعه عملية الساعة السادسة فى نفس العام، ولكن الأهم من وجهة نظرى «المخادعون» للمخرج المصرى توفيق صالح وأفلام «إكليل الشوك والسكين ومائة وجه ليوم واحد وكفر قاسم والأبطال يولدون مرتين» ومعظمهم مأخوذ عن روايات لغسان كنفانى.
سلَّطت السينما اللبنانية الضوء على تجارب اللاجئين منها «بيروت الغربية، تحت القصف وفدائيون» وغيرها.