الدكتور يوسف عامر يكتب: أكتوبر.. ومعدن المصريين

كاتب صحفي

ليس (السادس من أكتوبر) مجرد حدث عابر فى تاريخنا، ولا مجرد حربٍ كسائر الحروب التى مرّت وتمرّ بها كثير من البلدان والدول، نعم ليس كذلك، فالسادس من أكتوبر انتصار له أبعاد إيمانية وقِيمية وأخلاقية عالية، فهو يوم تجلت فيه معانى الإيمان بالله تعالى، واليقين، والتوكل، والصبر، والإيثار، والتضحية.. ست ساعات من النهار تجلت فيها معادن نفوس المصريين الحقيقية، وظهرت القيمُ الكبرى فى ميادين القتال لا فى سطور الدفاتر.. ساعات نادرة شاهد فيها العالَمُ كيف امتزجَ فى قلوب المصريين إيمانُهم العميق بعِلْمٍ دقيقٍ يتبعُهُ عمل جاد، ويقينُهم الصادقُ بتخطيط منضبط، وصبرُهم القوىّ بثبات على الحقِّ لا يتزعزع، والتضحية بالإيثارِ.. حتى تَسلمَ الأرضُ.. ولا يُنتهك لهم العِرض.

إنها ملحمة فريدة تبيّن فيها كيف يكون للحق قوة تحميه، وعزيمة لا تلينُ حتى يستعيد أصحاب الحقِّ حقَّهم.. ربما لم تكن أسلحتُنا فى تلك الحرب توازى ما يمدُ به عدونا بأسلحة وعَتاد وذخيرة ودَعم، وربما لم يكن لنا ظهير من الدول الكبرى كما كان لأعدائنا ظهير، ولكن كان معنا ما ليس معهم! وكان لدينا ما ليس لديهم! وكان فى قلوبنا ما ليس فى قلوبهم!

وإذا أراد أبناؤنا أن يعرفوا ما الذى كان معنا ولم يكن مع عدونا، وما الذى كان لدينا ولم يكن لديهم، وما الذى امتلأت به قلوبُنا وخَلَت منه قلوبهم، فَلْيقرءُوا إن شاءوا قول الله عزَّ وجلَّ: «فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» [الروم: 47].

نعم... إنه قانون ثابت لا يتغير.. (الذين أجرموا) ينتقمُ الله عزَّ وجلّ منهم، وما أدراك بانتقام الله تعالى حين ينتقم! وينصرُ عباده المؤمنين، وما أدراك بنصرِ الله تعالى حين ينصر عباده المؤمنين! أليس الله جلَّ وعلَا يقول: «إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّن بَعْده وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» [آل عمران: 160].. نعم.. مَن الذى يستطيع أن يغلبَ مَن نصره الله؟! ومن الذى يستطيع أن ينصر مَن خذله الله؟! ولا بد من الوقوف أمام هذه الكلمة القرآنية العظيمة: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ».. التوكّل على الله تعالى يكون من المؤمنين الذين يمزجون إيمانَهم العميق بعِلْمٍ دقيقٍ يتبعُهُ عمل جاد، ويقينَهم الصادقِ بتخطيطٍ منضبطٍ، وصبرَهم القوى بثباتٍ على الحق لا يتزعزع، ويُضحون بأنفسِهِم ليعيش مَن وراءهم أحراراً لا تتدنس لهم أرض.. ولا يُنتهك لهم عِرض.

ولا بد هنا من أن نستحضر مشهداً قد لا يستحضره كثيرون من الناس.. هو مشهد العدو وهو يرى الجنود المصريين لا يقف فى وجوههم ذلك الخط الذى كان يفخر العدو بالاختباء خلفَه (خط بارليف)! وإذا بالجندى المصرى حاملاً سلاحه يصعده بقدميه لا مِن خلال مَروحيات! ثم ها هم الجنود يُسرعون تجاهَ العدو لا يخشون وابلَ الرصاص الموجه من أكمنة كانت معدة للدفاع.. إنها لحظات من الرعب القاتل عاشها العدو، ولا شك أن بقيةَ أثرِها لا تزالُ تتردد فى القلوب هناك حتى الآن!

تحيةَ حب ووفاء وإجلال لمصرنا الحبيبة قيادةً وشعباً، ولجنودنا البواسل فى كل بقعة مباركة من بقاع المحروسة.