محمود فوزي السيد يكتب: روايح أكتوبر.. أغنية النصر

كاتب صحفي

تفتح عينيك صباحاً على صوت «وردة» تتغنى بالنصر: «وأنا على الربابة بغنى مملكش غير إنى أغنى وأقول تعيشى يا مصر»، أو عبدالحليم حافظ يغنى: «عاش اللى قال للرجال عدوا القنال»، وسعاد حسنى وهى تتغنى بالجندى المصرى: «دولا مين ودولا مين».. الصوت يملأ الأرجاء يأتيك من كل حدب وصوب فى جنبات المنزل؛ الراديو والتليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعى.

لحظتها تعى أنك تستيقظ فى صباح يوم النصر العظيم السادس من أكتوبر الذى هلت أيامه الجميلة الممزوجة بفخر النصر.. تشعر بحالة قشعريرة تسرى فى أرجاء جسدك من جمال الكلمات والألحان وعظمة الموقف عندما تتذكر على الفور بطولات الجندى المصرى فى مثل هذا اليوم؛ وتستدعى معها عشرات الأغنيات التى ولدت من رحم هذا الانتصار، وتجد كافة الوسائط المسموعة والمقروءة والمرئية وهى تتنافس فى تذكيرك بكل تفاصيل يوم النصر بمئات الأعمال التى أرخت لهذا اليوم بكافة تفاصيله ومن بينها وربما أهمها «الأغنية» المصنوعة لتأريخ هذا النصر وهى أغنيات تخطى عمرها الـ57 عاماً وما زالت تسمع بنفس الشغف ونفس الروح لأنها ببساطة تحمل «روايح النصر» الذى يفخر به كل مصرى منذ أكتوبر 73 وحتى نهاية الزمان.

فى رأيى أن الأغنية تعد من أهم عوامل التأريخ السياسى والاجتماعى للأوطان على مر العصور؛ فعندما قامت قواتنا المسلحة ببدء معركة تحرير الأرض فى أكتوبر 73 تحول كل مواطن فى الشعب المصرى إلى جندى مستعد لخدمة وطنه بأى شكل ممكن، كل فى مجاله؛ وكان المبدعون المصريون من شعراء وملحنين وموسيقيين ومطربين من بين هؤلاء الجنود؛ قرروا جميعاً الانضمام إلى المعركة بما يملكونه من أدوات فراحوا يتسابقون فى تحضير أغنيات جديدة ويهرولون إلى استديوهات الإذاعة المصرية لتسجيل تلك الأغنيات لسرعة بثها على الجمهور كنوع من أنواع المشاركة بالتحفيز للجنود على الجبهة أحياناً؛ وبالتعبير عن فرحة النصر أحياناً أخرى؛ وقتها سمع الشعب المصرى أصوات كل مطربيه تقريباً يتغنون بالفرحة والنصر، مثل عبدالحليم حافظ ووردة وشادية وغيرهم الكثيرون، ليتركوا لنا جميعاً إرثاً عظيماً من الأغنيات الوطنية التى ما زلنا نستدعيها حتى يومنا هذا للاحتفال بيوم النصر العظيم.

وفى الوقت نفسه تسابق نجوم السينما ومخرجوها ومؤلفوها على تأريخ تلك المعركة العظيمة بأعمال سينمائية لتخليد تلك الذكرى فى أذهان كل مواطن مصرى، لكن الاختلاف الحقيقى بين الأغنية وفيلم السينما هى السرعة فى التنفيذ والعرض، فالأغنية عكس الفيلم الذى ربما يستغرق أشهراً من التحضير والعمل والتصوير، عكس الأغنية التى ربما تستغرق يوماً واحداً فقط فى كتابتها وتلحينها وتسجيلها، خاصة مع المشاعر الفياضة التى انتابت الشعراء بمجرد الإعلان عن تحرير الأرض وخوض قواتنا المسلحة للمعركة، وهو ما كان بالفعل حيث بدأت الأغنيات تصدر منذ اليوم التالى للحرب مباشرة وتطرح على كافة الإذاعات المصرية التى كان المصريون يلتفون حولها للاستماع للبيانات العسكرية الخاصة بالقوات المسلحة ومعها العديد والعديد من الأغنيات الوطنية.

ومن هنا تأتى أهمية الأغنية الوطنية فى التأريخ للأحداث السياسية المهمة التى مرت على الوطن، فمع كل ذكرى جميلة عاشتها مصر تجد أصوات مطربيها وكلمات شعرائها وموسيقى ملحنيها حاضرة للتذكير بكل تفاصيل هذا الحدث كنوع من أنواع التأريخ له بأصوات مطربيها، وكأن الأغنية الوطنية تتحول مع الوقت إلى ذاكرة للوطن تحمل بين كلماتها كافة أحداثه.