النائب علاء عابد يكتب: قائمة «ستانفورد»
تاريخ مصر العلمى طويل ومتشابك مع تاريخ الحضارة الإنسانية، من مهندسى الدولة القديمة إلى مُفجرى نهضة علمية حديثة شكَّل فيها العلماء والمفكرون المصريون مناعة معرفية أثَّرت فى مسارات الطب والهندسة والرياضيات والفيزياء والعلوم الإنسانية.
فى هذه المقالة المختصرة أسعى إلى تتبُّع محطات بارزة فى مسيرة العلماء المصريين عبر العصور، ثم قراءة المشهد الأخير فى ضوء إدراج 1106 علماء مصريين فى قاعدة بيانات «أفضل 2% من العلماء فى العالم» التى أعدَّتها «ستانفورد» بالشراكة مع بيانات «إلسيفير»، فأُقدِّم أسماء يمكن أن نعتبرها «علمية» فى مصر القديمة تجمع بين صفة المهندس والطبيب والمستشار السياسى، مثل «إمحوتب» مستشار الفرعون زوسر وبانى هرم سقارة المدرّج، والذى يُذكر فى المصادر الحديثة كمهندس معمارى عبقرى، كما امتدّ ذكره لاحقاً فى الذاكرة المصرية واليونانية كشخصية مرتبطة بالطب والحكمة. ولا تكمن أهمية «إمحوتب» فقط فى إنجازاته الإنشائية، بل فى تراث صاغ نموذجاً مبكراً لتكامل المعرفة التطبيقية (الهندسة) مع المعرفة الطبية واللاهوتية.
وظلت مكتبة الإسكندرية منصَّة لنقل ومزج المعارف الإغريقية والمصرية والشرقية، وجزءاً من مؤسسة أكبر تُسمى «الموسيون Mouseion»، أو «معهد Muses»، والموسيون هم آلهة الإلهام الشعرى اليونانى، وتضمَّنت غرفاً مخصصة للموسيقى والشعر والفلسفة وعلم التشريح وعلم الفلك.
ومن أبرز رموز هذه المدرسة الفكرية «هيباتيا» التى وُلدت فى الإسكندرية، وهى عالمة فلك ورياضيات تتلمذت على يد والدها ثيون السكندرى (335 - 405م)، آخر العلماء الذين جرت تسميتهم على رأس مكتبة الإسكندرية، وهى منشأة بحثية مشهورة كانت تحظى بدعم وتمويل السلطات الرسمية، وتعلَّمت من والدها الرياضيات والفلك، ولكنَّها تفوَّقت عليه بالفلسفة، وتحوَّلت إلى رمز للمعلِّمة والعلماء فى المدن المتوسطية، وتمثل حالة مبكرة لصمود المعرفة أمام العنف السياسى والدينى، وتذكرها موسوعات مرموقة بوصفها من أهمِّ علماء القرن الرابع الهلنستى فى الإسكندرية.
وفى العصور الوسطى، أضحى الشرق الأوسط مركزاً للطب النظرى والتطبيقى. ومصر، بخاصة القاهرة، كانت حاضنة لعدد من الأطباء البارزين، منهم محمد بن المهدى بن النفيس (ابن النفيس)، الذى اشتغل فى القاهرة فى القرن الثالث عشر، وقدََّم وصفاً واضحاً للدور الذى تلعبه الرئتان فى الدورة الدموية الصغرى (pulmonary circulation) قبل قرون من المراجع الأوروبية التقليدية، وهو ما أثبته باحثون حديثون فى مؤلفات حول تاريخ التشريح والفيزيولوجيا، ويضع هذا الإنجاز «ابن النفيس» فى مصاف الذين ساهموا فى تصحيح نظريات غالين حول القلب والدورة الدموية.
مع التحولات السياسية والاجتماعية فى القرنين التاسع عشر والعشرين، تحوَّلت الجامعات المصرية (جامعة القاهرة وعين شمس والأزهر، فضلاً عن مراكز بحثية أخرى) إلى منابر لإنتاج المعرفة الحديثة، من الطب الهندسى إلى الأدب والفلسفة والعلوم الاجتماعية، ومكَّن هذا التحوُّل مصر من الانخراط فى شبكات البحث العالمية، وشهدت البلاد ظهور أسماء بارزة فى ميادين متعددة.
ولا يمكن الحديث عن مصر والعلم الحديث دون التوقف أمام شخصيات مثل: أحمد زويل، الكيميائى المصرى-الأمريكى الحائز على جائزة نوبل فى الكيمياء عام 1999 عن أعماله فى «الكيمياء فائقة السرعة (femtochemistry)»، والذى أصبح رمزاً لقدرة الباحث المصرى على بلوغ قمم العلوم الطبيعية عالمياً، كما عمل على مبادرات علمية وتعليمية وطنية وعالمية.
وقد حقق العلماء المصريون إنجازاً علمياً بارزاً فى نتائج قائمة ستانفورد لأفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيراً حول العالم، والتى تُنشر بالتعاون بين جامعة ستانفورد وشركة «إلسيفير» لتحديد العلماء الأكثر تأثيراً عالمياً بناءً على مؤشرات الاستشهادات العلمية «Citations» وعدد الأبحاث. وقد أظهرت النتائج إدراج 1106 علماء مصريين فى نسخة القائمة الخاصة بالتميز فى الإنتاج العلمى، وإدراج 579 عالماً مصرياً فى نسخة القائمة لمجمل الإنتاج العلمى لعام 2024، وهى نسبة كبيرة تضع مصر فى مرتبة مرموقة من حيث حضور الباحثين على خريطة الاقتباس العالمى.
وجاءت التخصصات التى تميَّز بها العلماء المصريون المدرجون ضمن أفضل 2% عالمياً على النحو التالى: من حيث التميُّز فى الإنتاج جاء تخصص الكيمياء فى الصدارة بـ259 عالماً مصرياً، تليها التقنيات التمكينية والاستراتيجية بـ186 عالماً، ثم تخصص الطب السريرى بـ151 عالماً، ثم الفيزياء والفلك بـ117 عالماً، وفى تخصص الزراعة ومصايد الأسماك والغابات تم إدراج 92 عالماً مصرياً، ثم تخصص الهندسة بـ91 عالماً مصرياً، كما برز العلماء المصريون فى تخصص تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بـ71 عالماً، وتخصص البيولوجيا بـ42 عالماً مصرياً، وكذلك أظهرت القائمة علماء مصريين متميزين فى تخصصات البحوث الطبية الحيوية وعلوم الأرض والبيئة والرياضيات والإحصاء والبيئة العمرانية والتصميم، وشملت القائمة أيضاً تخصصات الاقتصاد والأعمال والصحة العامة والخدمات الصحية وعلم النفس والعلوم المعرفية والدراسات التاريخية والعلوم الاجتماعية ودراسات الاتصال.
تاريخ مصر العلمى طويل وملىء بالمحطات: «إمحوتب» و«هيباتيا» و«ابن النفيس» أمثلة تاريخية تثبت أن مصر كانت ولا تزال منبعاً للعلم، وفى العصر الحديث، تأكيد أسماء مثل أحمد زويل ووجود أكثر من ألف عالم مصرى فى قائمة «أفضل 2%» يعكس قدرة الباحث المصرى على المنافسة العالمية لتحقيق نقلة نوعية مستقبلية.