السد العالي ملحمة نضال الشعب المصري
يعد السد العالي في أسوان واحدا من أعظم المشاريع القومية في تاريخ مصر الحديث، وقد صنف كأفضل مشروع هندسي في القرن العشرين. صار السد رمزا لإرادة شعب رفض الخضوع للإملاءات الخارجية، وأصر على امتلاك قراره التنموي. بدأت قصة النضال من أجل بنائه مع الحلم الكبير الذي تبناه الرئيس جمال عبد الناصر بعد ثورة يوليو 1952، إذ أدرك أن مصر لن تنهض إلا بالسيطرة على نهر النيل وإدارته بما يحقق الأمن المائي، ويؤمّن الزراعة والصناعة والكهرباء.
كان السد مجرد فكرة تبناها قبل ثورة يوليو المهندس المصري اليوناني الأصل أدريان دانينوس الذي قدم فكرته إلى حكومات ما قبل الثورة لكنها لم تعره اهتماما. كانت فكرته إنشاء سد ضخم عند أسوان لتخزين مياه النيل وتوليد الطاقة الكهربائية. حظي اقتراحه بالاهتمام بعد ثورة 1952 وكلفه الرئيس جمال عبد الناصر بالتفاوض مع الشركات الأمريكية لتنفيذ المشروع.
وحين رفضت أمريكا وتابعها البنك الدولي تمويل المشروع في إطار الصراع السياسي آنذاك، تحولت القضية إلى معركة كرامة وسيادة وطنية. لم يتراجع عبد الناصر، بل أعلن تأميم قناة السويس عام 1956 ليوفر لمصر موارد التمويل، فكان ذلك القرار التاريخي الذي واجهت بسببه مصر العدوان الثلاثي، لكنها خرجت أكثر قوة وإصرارًا على إتمام مشروعها القومي. وأعلن عبد الناصر أن مصر ستبني السد ولو استخدمنا «المقاطف» ولو بقينا نبنيه لمدة عشرين سنة، وذلك حتى لا نعرض أنفسنا لذل الدين. وأشاد ناصر بأبناء الوطن خاصة الصعايدة الذين تحملوا حرارة أسوان ليبنوا السد وقدم الشكر للأصدقاء من الاتحاد السوفييتي الذي جاؤوا من سيبيريا حيث درجة الحرارة تحت الصفر إلى حر أسوان في حرارة تصل إلى 50 درجة.
لم يكن السد مجرد بناء هندسي، كان تجسيدا للرؤية الثاقبة لعبد الناصر الذي وضع مستقبل الأجيال في حساباته. فقد حمى السد مصر مرارا من أخطار شح أو فيضان النيل، في الحالتين، وفر السد المياه للشرب، ولري الأراضي الزراعية، وللاحتياجات الصناعية، مما جعل مصر أكثر قدرة على مواجهة التحديات المائية. كما وفر طاقة كهربائية هائلة أسهمت في تشغيل المصانع وتوسيع الرقعة العمرانية، وكان مصدرًا أساسيًا لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعقود متتالية.
يردد خصوم عبد الناصر أن السد حرم الأراضي الزراعية من الطمي الطبيعي، أو تسبب في بعض الآثار البيئية. لكن تلك السلبيات لا تساوي شيئًا أمام الفوائد العظيمة التي قدمها لمصر. فبدونه كانت البلاد ستظل رهينة لمزاج النيل، عرضة للجفاف القاتل أو الفيضان المدمر.
السد العالي ليس مجرد جدار خرساني يحجز المياه، بل جدار من الإرادة الشعبية والنضال الوطني. إنه شاهد على مرحلة جسدت طموح أمة بأسرها، وواحد من أعظم إنجازات القرن العشرين في العالم. مع قيام ثورة يوليو 1952، عاود دانينوس تقديم مشروعه لمجلس قيادة الثورة، ولاقى ترحيبًا كبيرًا من الرئيس جمال عبد الناصر، وعلى الرغم من أن دانينوس صاحب الفكرة الأولى، إلا أن تنفيذ المشروع تم بتصميمات مختلفة ومشاركة خبراء ألمان وسوفييت لاحقًا. وقد كرم الرئيس جمال عبد الناصر دانينوس ومنحه معاشًا استثنائيًا تقديرًا لجهوده في فكرة السد.
كان التفكير في بناء السد العالي الخطوة الأولى لتأميم قناة السويس التي صارت الآن من أكبر مصادر الدخل لمصر، وكان تأميم القناة وبناء السد قفزة كبرى لمصر وعبد الناصر لتحتل بلادنا مكانتها الدولية والإقليمية اللائقة.