ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (44).. المسافات والشخصية المصرية

كاتب صحفي

تتميز الشخصية المصرية بالترابط والاتصال بين الأجيال رغم المسافات، المقصود بالترابط هو الصلة، والصلة هى الرحمة، هذا الترابط هو حبل سرى يربط بين المصريين، هذا السر تجده فى التقارب رغم الفتن، وتجده فى التراحم رغم قسوة المعيشة، تجد سرهم فى الرحمة بينهم، تظهر هذه الرحمة فى تداخل المصريين فى المعيشة الدينية، المسلم والمسيحى بينهما سجال معيشى، بينهما فهم وتآلف يظهر وقت الخطر، وقت الحرب يُظهر وحدة المصريين، كذلك فى استيعاب أكثر من مليون مصرى يعيشون بلا أسرة، يستبدل أسرته التى تخلصت منه برميه فى الطرقات وأمام دور العبادة وتحت الكبارى، تستوعبهم بعض جمعيات التكافل، تستوعبهم دور الأيتام، تستوعبهم تبرعات الأهالى فى الحى، تستوعبهم رحمة المصريين ببعض.

ورغم زيادة تعداد المصريين وتضاعف الناس، حتى وإن تضاعفت القسوة وزاد الضغط الاقتصادى وعمَّ الغلاء، إلا أن الرحمة حبل الشخصية المصرية، الذى يجمع ويربط بينهم. هذه قوة الشخصية المصرية الخفية، لكن هناك صدع يهدد هذه الوحدة، ومن الأولوية حماية الحبل السرى من الرحمة حتى لا ينقطع، والخوف على الشخصية المصرية من المسافات التى بدت ظاهرة، وأصبحت حاضرة ومتحكمة، وهى التى تصنع الفُرقة وتزيد التخلخل فى المجتمع، والمعنى بالمسافات هو زيادة المسافات بين الطبقات، بين الغنى الذى بدأ يهرب فى طبقية، ليحافظ على مستواه الطبقى، لدرجة أنه بدأ يتحصن داخل أسوار السكن، وأسوار مكاتب العمل، وصنع أسوار فى البحر، هذا بحر لا تدخله الشخصية المصرية التى فى طبقة أدنى مالاً من طبقتى، وأصبحت تتحدد الأسوار الطبقية بالمال، من يملك مالاً أكثر يعيش فى أسوار أعلى ومحاطة بحماية أكبر، حتى سخرت الشخصية المصرية من تصنيفات الطبقية، وقالوا هنا مصر وهناك Egypt، بل زادت المسافات بين الطبقات حتى خنقت الطبقة المتوسطة التى هى ميزان تحضر البلاد، وعليها يقاس التقدم والمستقبل المنشود، كما أن انتهاء وقتل الطبقة المتوسطة بسلاح المال والرأسمالية وتسيُّد العالم تحت قيادة إله المال، ليسود دين مادى شرير يملك وحده المال، ويملك وحده حكم الدنيا ويملك القرار.

المسافات تنزع الرحمة من قلوب المحتاجين وقلوب طبقة المال، وأصبحت الشخصية المصرية، التى كانت تتميز بالتواصل بين الطبقات بالرحمة، أصبحت تتحكم فيها مسافات طبقية، ويا ليت هذا فقط، لكن تزيد وبخطورة مسافات قاتلة فى صمت، مسافات الصمت التى تمحو الرحمة والتواصل والاجتماع، هذه المسافات الزمنية بين الأجيال، تترتب على تصارع الأغنياء فى صنع طبقات تباعد بينهم وبين بعض، تجعل المليونير الذى يملك أكثر فى طبقة أعلى، بغض النظر عن مصدر هذه الأموال، كيف تكثر الأموال والاقتصاد يُحارَب وبشدة من بلاد تملك اقتصاداً أكبر؟ وكأن ضياع الطبقة المتوسطة المصرية وما تعانيه الشخصية المصرية من الداخل بسبب اختفاء الطبقة المتوسطة جعلنا نرى أزمة الشخصية المصرية، من تصارع الدول الغنية، إلى سحق دول تملك اقتصاداً متوسطاً، ما أشبه أزمة الشخصية المصرية من الداخل بسبب انهيار الطبقة المتوسطة. هى نفس أزمتها مع أغنياء الدول، طبعاً انهيار قيم وأخلاق وثقافة الطبقة المتوسطة، طبعاً تغير مزاج مستهلك الفن من الأغنياء، فطلبه غير فنون الطبقة المتوسطة، فن وسينما ومسرح وشعر ورواية، التى كانت تنتجها مواهب الشخصية المصرية، غير مطلوب.

هذا يفسر بيع تراث السينما المصرية على يد أسماء شهيرة بأموال مشبوهة لمسح إنتاج وثقافة وأخلاق هذه الطبقة، ويفسر أيضاً غلق دور العرض فى وسط البلد، وبناء دور عرض فى المولات، لأن وسط البلد مقر وحجر الأساس للطبقة المتوسطة، كما أن المولات مظهر من مظاهر طبقات الأغنياء، نعم إن الرحمة التى تجمع المصريين مهددة بمعول توحش طباقات الأغنياء، وخفوت أصوات الطبقة المتوسطة، ومحاربة مواهب الطبقة المتوسطة، حتى تصبح الفنون عالماً يعكس قوة أصحاب المال، ويسمح ببعض الأفلام التى تسخر من الفقراء فى صور متعددة.

الأمر الثانى الذى يهدد اجتماع المصريين بمرهم الرحمة هو المسافات بين الشباب والكهول. إن أجيال الشباب التى كبرت وسبحت فى أمواج الموجات الإلكترونية وموجات الاتصال عن بُعد مقصودة لكى تتعود الشخصية المصرية على البُعد، ويحل البرود محل طاقة الأنس، ويستبدل السمر والجمع بالفردية، المسافات بين الشباب والكهول أزمة ضخمة جداً، تعانى منها الشخصية المصرية لأن الشاب أصبح فى حضن آباء وأمهات إلكترونية، أصبح مستشاره وصديقه وونسه الإلكترونى، تباعد العقلية بين الشباب وبين الكهول، حتى إن المسافات بينهما خطر يهدد الترابط الذى تصنعة الرحمة والتعاطف. الشخصية المصرية المترابطة بالمحبة أصبحت مهددة بشراسة مزدوجة، شراسة الطبقية التى قتلت الطبقة المتوسطة، والخطر الثانى هو تباعد بين الشباب والكهول.. اللهم فاشهد.