فصول الحكاية المربكة لفضل شاكر.. حين سكتت الألحان ورماه التطرف في مواجهة القضاء

كتب: أمنية سعيد

فصول الحكاية المربكة لفضل شاكر.. حين سكتت الألحان ورماه التطرف في مواجهة القضاء

فصول الحكاية المربكة لفضل شاكر.. حين سكتت الألحان ورماه التطرف في مواجهة القضاء

في حياة الفنان اللبناني فضل شاكر تختلط الأوتار بالنار، واللحن بالرصاص، والحلم بالتيه.. صوتٌ بدأ من زوايا الرومانسية الحالمة، يهمس للحبّ بأرق الكلمات، ثم انقلبت دفة حياته فجأة إلى وجهٍ آخر لا يشبهه، بعدما هجر الأضواء طواعيةً، ودخل في دهاليز السياسة والدين والجدل. وبين اعتزالٍ واتهامٍ وعودةٍ خجولة، ظل اسم فضل شاكر لغزًا كبيرًا في ذاكرة الفن العربي.

من الرومانسية إلى التطرف

شهد المطرب اللبناني فضل شاكر تحولًا جذريًا ومفاجئًا خلال سنوات قليلة، فقد انتقل من مطرب الرومانسية والكلمات العذبة إلى شخص مختلف تمامًا عما عرفه الجمهور، حيث اتخذ في البداية توجهًا آخر سرعان ما تطور إلى موقف كامل حوّل مساره الفني بشكل كلي، هذا التحول جعله يُعرف بـ«الفنان المعتزل» أو على حد تعبير زميله الفنان مروان خوري، بـ«المتطرف».

وقال خوري: «فضل شاكر إنسان طيب مثلما عرفته دومًا، لكن طيبته هي التي جرفته للأسف إلى التطرف، لكنه رغم طيبته سيدفع ثمن التطرف، ويتحمل مسؤولياته أمام الجميع، فلكل منا خياراته في الحياة يتحمل نتائجها».

وبعد سنوات من هذا التّحول، أصدرت المحكمة العسكرية في لبنان حكمًا غيابيًا عام 2017 بالسجن على فضل شاكر لمدة 5 سنوات، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 500 ألف ليرة لبنانية وتجريده من حقوقه المدنية، وجاء هذا الحكم بتهمة التهجم على دولة شقيقة خلال مقابلة صحفية أجراها في عام 2014 داخل مخيم «عين الحلوة» الفلسطيني.

وفي فبراير من عام 2005، وبينما كانت شاشات التلفاز تذيع خبر اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، اتخذ فضل قرارًا بالعودة إلى بلدته الأم داخل مدينة «صيدا»، تاركًا العاصمة بيروت حيث كان يعيش برفقة أسرته، وقد أنشأ لابنته مطعمًا في صيدا، مفضلًا الابتعاد عن الأجواء السياسية المشحونة التي كانت سائدة في البلاد آنذاك، فكان فضل شاكر معروفاً بحبه للخير وتمسكه بالنزعة الرومانسية الحالمة في حياته اليومية.

وفي البداية، عاش فضل بعيدًا عن أي انخراط سياسي، لكن مصيره تغير حين التقى بـ الشيخ أحمد الأسير، وهو داعية وواعظ ديني معروف، وتحدث الرجلان لأول مرة بعد أن كان فضل قد قدم واجب العزاء في والدة الأسير، وحينها؛ دعا الأسير الفنان فضل شاكر إلى الابتعاد عن مسيرته الفنية واتخاذ طريق التوبة، مستخدمًا الأزمة السورية كمدخل لهذا الدعاء.

وتعاطف فضل مع دعوة الأسير، وبدأ ببيع جزء من ممتلكاته لمساعدة من وصفوا بـ«أعداء السنة»، وبعد ذلك، ظهر تعاطفه مع الثورة السورية للعلن، وخصص جزءًا من أرباح حفلته في مهرجان «موازين» المغربي لدعمها، وصرح حينها قائلاً: «الله يدمر بشار الأسد».

فضل شاكر

هجوم على الفنانين المؤيدين واللحية كرمز

وشارك فضل لاحقًا في أحد المهرجانات الداعمة للثورة السورية، وصرح بأن أي فنان يمتلك كرامة يجب أن يشارك فيها، مضيفًا أن: «الفن صفر أمام بطولة الثوار»، وعندما سأله مذيع بإحدى القنوات اللبنانية عن رأيه في الفنانين المؤيدين لبشار الأسد، أجاب: «الله يحشرهم مع بشار الأسد»، وظهر في تلك الفترة وهو قد أطلق لحيته.

ولم يقتصر توجه فضل على الجانب السياسي فحسب، بل شمل الجانب الديني أيضًا، حيث ظهر فيما بعد منشدًا للأناشيد الدينية، ومن ثم ظهر كمؤذن في مسجد «بلال بن رباح»، وفي تلك الأثناء، ظل الجمهور يتساءل: هل سيعتزل فضل شاكر الأضواء ويترك الفن؟ وكما توقع الجمهور، ظهر فضل عام 2012، وصرح بأنه اعتزل الفن بشكل نهائي، موضحًا: «قرار اعتزالي بحمد الله جاء توبةً إلى الله عز وجل، ونصرةً لنبي الله والإسلام محمد عليه الصلاة والسلام الذي قصّرنا في حقه بصراحة»، مؤكداً أنه ترك الموسيقى لأنّها حرام، على حد تعبيره.

وأضاف فضل لتبرير قراره: «اليوم أنا كفنان، السبب في أنك تجلس مع حبيبتك أو خطيبتك أو صديقتك، أثيرك حين أغني بمرافقة الموسيقى الصاخبة وأتلاعب في كلمات الحب والغزل لإثارتك»، كما وجه انتقادات حادة للوسط الفني، واصفاً إياه بأنه: «عبارة عن قلوب سوداء ولا توجد نظافة في التعامل بين الفنانين، وأنا لم يكن لدي سوى عدد قليل من الأصدقاء، يعدون على اليد الواحدة».

دعوة لتشكيل كتائب مقاومة ومواجهة حزب الله

وفي تسجيل تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر فضل قائلاً: «أنا أخوكم في الله فضل عبدالرحمن شاكر، أحب أن أخبر أهلنا وأعراضنا وأبناءنا ومجاهدينا الأطهار في سوريا الحبيبة من الجيش الحر والكتائب المقاومة والمجاهدة، بأنه ردًا على مجازر الكتائب الأسدية النصيرية الحقيرة الحاقدة وعلى أيادي الحزب الطائفي المجرم، حزب (حسن نصر الشيطان) الذين يقتلون أهلنا في سوريا والقصير خاصة، نعلن عن تشكيل كتائب مقاومة حرة لنصرة أهلنا في سوريا»، وفي عام 2013، انتشرت أخبار عن تورطه في أحداث «عبرا» جنوب بيروت، والتي أسفرت عن سقوط العديد من الشهداء من الجيش اللبناني.

ولم يكن فضل يرد على شائعات عودته للغناء، بل كان يتخذ الصمت جوابًا له في عديد من المقابلات التليفزيونية التي كان ينفي فيها عودته للفن مجددًا، وفي المقابل، كان ابنه محمد يطلق أغنيات بدلًا منه، وهو ما أضعف فرضية تطرف الأب، كونه سمح لابنه بممارسة الغناء، وفيما بعد، نشر ابن فضل تسجيلًا قديمًا لوالده وهو يغني في أحد المهرجانات، معلقاً: «الصوت اللي وحش الملايين راجع بإذن الله».

وفي عام 2015، أطل فضل في أول لقاء تليفزيوني له من داخل منزله في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، عبر منصة «إل بي سي» الإعلامية، وأكد فضل خلال اللقاء رغبته في العودة لحياته الطبيعية، دون أن يكشف صراحة عن رغبته في العودة إلى الفن، كما نفى فضل أن يكون قد حرض مناصريه على الجيش، وأكد أن الحساب المنسوب له على موقع فيس بوك لا يمثله ولا يخصه، مطالبًا القضاء اللبناني بتقصي من ينتحل شخصيته على الإنترنت، وفقًا لما نشر على موقع «CNN».

فضل شاكر

نفي الشائعات والعودة إلى الفن

وفي محاولة منه لنفي الشائعات تمامًا، قال فضل إنه يتمنى عودة الجنود اللبنانيين المختطفين على يد تنظيمات مثل «داعش» و«جبهة النصرة»، مستنكرًا هذه التصرفات، كما أثنى على حكمة بهية الحريري، أخت رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وخلال لقاءاته الصحفية، كان فضل يرفض الإجابة عن سؤال ما إذا كان نادمًا على تجربته مع أحمد الأسير، قائلاً إنه يجري مراجعة لتلك الفترة، وأن إقراره بالندم يعني اعترافه بأنه كان جانيًا.

في المقابل، أصر على أنّه استُدرِج إلى مواجهة مع جماعة «حزب الله»، وليس مع الجيش اللبناني، مؤكدًا أنّ مجموعته لم تطلق رصاصة على الجيش أو على الحزب، وأن كل ما قام به هو المشاركة في تظاهرات احتجاج على نفوذ «حزب الله» في صيدا، وتنديد بجرائم النظام في سوريا، معتبرًا أنّ هذا لا يستحق حكم السجن لخمس سنوات الذي طلبه القاضي في القرار الظني.

وأجاب فضل شاكر عن سؤال حول عودته للغناء في حال خروجه من مخبئه قائلاً: «أنا فنان سابق»، وأضاف في حوار مع «الراي»: «لكن ابني محمد سيكمل مسيرتي وأنا سأكون إلى جانبه في رحلته»، ورغم ظهوره وتصريحاته، لم يؤثر ذلك على سير الأحكام القضائية، حيث حكمت المحكمة العسكرية مجددًا بالسجن على فضل شاكر 5 سنوات غيابيًا، وغرامة 500 ألف ليرة لبنانية وتجريده من حقوقه المدنية، بتهمة التهجم على دولة شقيقة في مقابلة 2014.

وعلق فضل شاكر عقب صدور الحكم بتغريدتين عبر حسابه على X «تويتر سابقًا»، قائلًا: «الذي تعامل مع الاحتلال الإسرائيلي تم حكمه سنتين فقط، والذي قتل رفيق الحريري لم يجرؤ أحد على حكمه أو إلقاء القبض عليه، لكن من وقف بوجه بشار وقال كفى، يتم حكمه ظلمًا 15 عامًا، مع الأعمال الشاقة، شكرًا لعدالتكم».