علي الفاتح يكتب: مصر تنتصر في حرب الخطوط الحمراء وفرض الهيمنة!

كاتب صحفي

تحل الذكرى الـ52 لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة، فيما الدولة المصرية تحسم حرب النفوذ والخطوط الحمراء فى الشرق الأوسط انطلاقاً من قطاع غزة.

فى المحصلة النهائية جاءت خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لإنهاء حرب الإبادة ضد الفلسطينيين ملبية للمطالب المصرية، والتى وضعتها كخطوط حمراء فى مواجهة سياسات حكومة الكيان الصهيونى المتطرفة، التى كانت تسعى للتوسع بالمزيد من الاستيطان بضم أراضى الضفة الغربية واحتلال قطاع غزة وتهجير كامل سكانه بهدف القضاء على أى أمل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وفق مقررات الشرعية الدولية.

حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو اعتبرت غزة نقطة انطلاق لتنفيذ استراتيجيتها الهادفة لفرض هيمنتها وقرارها السياسى والعسكرى على منطقة الشرق الأوسط برمتها، وبالتوازى مع ذلك مضت فى مسار فرض الهيمنة على القرار اللبنانى والسورى باحتلال مباشر لمزيد من أراضى البلدين، ومحاولة إبرام اتفاقات مشبوهة من شأنها تقسيم سوريا.

وفى لبنان تستمر فى احتلال أراضيه واستباحة أجوائه، ودفع الداخل اللبنانى للاقتتال الأهلى، وتُحجم عن الالتزام بالقرار الأممى 1701 والذى من شأنه إحلال الاستقرار والأمن بشرط إنهاء الاحتلال الصهيونى وسياساته العدوانية.

استجابة المبادرة الأمريكية للخطوط الحمراء المصرية الرئيسة فى قطاع غزة خاصة، وبالنسبة لأراضى السلطة الفلسطينية عامة، خطوة مهمة على الطريق فى تحجيم النفوذ الصهيونى، وتقليص قدرته على الاستمرار فى محاولات فرض الهيمنة فى عموم إقليم الشرق الأوسط.

مصر منفردة، ومنذ اليوم الأول لاندلاع حرب الإبادة، أى فى 8 أكتوبر عام 2023، رسمت خطوطها الحمراء، وكان أولها رفض تهجير سكان قطاع غزة ومواجهة كل الضغوط الدولية والإقليمية فى هذا الشأن.

ومن اللحظة الأولى ربطت مصر تهجير سكان القطاع برفضها الصارم للسياسات التوسعية فى الضفة الغربية، ومساعى ضم المزيد من أراضيها وتهجير سكانها قسراً إلى الأردن.

كافحت مصر على مدى عامين متسلحة بالعديد من الإجراءات والتدابير العسكرية والدبلوماسية، التى جعلت جميع أطراف المجتمع الدولى يتأكدون أن مصر جادة فى الدفاع عن أمنها القومى، وأمن الإقليم والذى يتجسد فى حماية القضية الفلسطينية من التصفية، وضرورة تنفيذ حل الدولتين، وأنها مستعدة فى سبيل ذلك إلى الذهاب بعيداً.

وأعلنت فى رسائل عدة عبر القنوات الدبلوماسية أن المضى فى سياسة تهجير الفلسطينيين واحتلال المزيد من الأراضى، سواء فى الضفة أو غزة، سيؤدى حتماً إلى تمزيق اتفاق كامب ديفيد للسلام برغم تمسكها به كخيار استراتيجى، وأن هذه السياسات ستدفع مصر إلى فتح أبواب الجحيم التى من شأنها إشاعة الفوضى فى عموم المنطقة، والتى ستصل تداعياتها بشكل مباشر إلى القارة الأوروبية العجوز.

نجحت الدبلوماسية المصرية فى إقناع جميع الأطراف الإقليمية والدولية بأن مصالحها الاستراتيجية والحيوية مرتبطة بشكل مباشر بحل الصراع العربى الصهيونى، وقدمت خططاً ومشاريع قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، كان أولها تشكيل لجنة تكنوقراط محايدة وغير فصائلية لإدارة قطاع غزة فى اليوم التالى للحرب يصدر بشأنها قرار من السلطة الفلسطينية، وقد نالت الفكرة موافقة جميع الفصائل الفلسطينية بعد جهد تفاوضى شاق.

واليوم نرى مبادرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تعتمد هذه اللجنة، وإن أشارت إلى أنها ستعمل تحت إشراف هيئة دولية.

ولم يكن آخر الجهود المصرية مشروع إعادة إعمار غزة دون تهجير أهلها والذى حاز دعماً عربياً إسلامياً فى قمة استثنائية عُقدت فى القاهرة مارس 2025 لتنال بعد ذلك دعماً أوروبياً روسياً وصينياً، وها هى مبادرة ترامب تتحدث عن إعادة تعمير غزة دون تهجير سكانها.

رد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على قبول حركة حماس بخطته بشأن إنهاء الحرب حمل فى طياته اعترافه بما يمكن وصفه بالتحفظات المصرية، التى عبَّر عنها وزير الخارجية بدر عبدالعاطى بقوله إن خطة الرئيس ترامب بها العديد من الثغرات التى تحتاج المزيد من النقاش، وأن ملفَّى حكم غزة والترتيبات الأمنية بحاجة إلى مفاوضات معمقة وجادة.

ترامب قال فى رده إن هناك نقاشات فعلية تتم بشأن تفاصيل الخطة وسبل تنفيذها، وهو ما يعنى أن حواراً مصرياً أمريكياً جرى خلال الأيام القليلة الماضية حول تلك الثغرات والبنود الغامضة.

بحلول مساء السبت 4 أكتوبر أصبحت القاهرة نقطة التقاء لجميع الأطراف المؤثرة والحاسمة للاتفاق على تفاصيل بنود خطة ترامب، حيث استُقبل وفد حركة حماس، ووفد حكومة الكيان الصهيونى برئاسة وزير الشئون الاستراتيجية رون برايمر، علاوة على وفد واشنطن برئاسة المبعوث الأمريكى لشئون الشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

الجميع سيحرص على التوصل إلى صيغة لوقف إطلاق نار نهائى حتى تسهل عملية تسليم الأسرى، والمؤكد أن هذه المباحثات ستشمل أيضاً بداية انسحاب جزئى لقوات جيش الاحتلال من مدينة غزة والأراضى التى يحتلها، وبعد الانتهاء من هذه النقطة الرئيسة ستبدأ مباحثات انسحاب قوات الاحتلال من كامل أراضى قطاع غزة، ونزع سلاح «حماس» وباقى الفصائل الفلسطينية بالقطاع.

بالتوازى مع ذلك تشير تقارير إلى أن مصر ستستضيف جميع المكونات الفلسطينية الفصائلية والسياسية للاتفاق على مسار سياسى موحد يلتزم به الجميع، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية بهدف تمكين السلطة الفلسطينية، بعد انتهاء الفترة الانتقالية، من حكم قطاع غزة فى سياق الحفاظ على وحدة أراضى دولة فلسطين.

فرنسا وبريطانيا ومفوضية الاتحاد الأوروبى أعلنوا جميعهم ترحيبهم بالتطورات الأخيرة، واستعدادهم لدعم مسار تفاوضى يقود إلى حل الدولتين، والرئيس الأمريكى قال إن ما جرى عظيم وقد يكون بداية لإحلال السلام فى الشرق الأوسط، بل أعرب عن اعتقاده فى أن حركة حماس مستعدة للسلام.

قد نكون أمام فرصة حقيقية لإنهاء هذا الصراع الممتد منذ 77 عاماً، لذلك على «حماس» ومن معها تقديم المزيد من التنازلات السياسية للشعب الفلسطينى ومنظمة التحرير الفلسطينية وليس لأى طرف خارجى، وأن تدرك أن انقلاب 2007 الذى قامت به على شرعية السلطة الفلسطينية، وكرّس الفصل بين غزة والضفة الغربية، والانقسام الداخلى هو ما تسبب فى فرض المزيد من التحديات والتعقيدات، التى تواجهها القضية الفلسطينية اليوم.

هناك زخم دولى على المستويين الرسمى والشعبى داعم لحل الدولتين، وإذا كان ثمن ذلك خروج «حماس» من المشهد السياسى تماماً بعد مرحلة تسليم الأسرى ونزع السلاح، فعليها أن تفعل، وذلك أقل ثمن ممكن أن تدفعه تكفيراً عن جريمتها الوطنية فى حق القضية والشعب الفلسطينى فى عام 2007.