يقوم مبدأ «الانفتاح» على توسيع أفق القائم بالاتصال والمؤسسة الإعلامية والتمتع باللياقة الذهنية لاستقبال الأفكار الجديدة والابتكار فى صناعة المحتوى، والانفتاح ليس مجرد شعار، بل هو فلسفة إعلامية تقوم على احترام التعددية وإتاحة المساحة للرأى الآخر، ولتحقيق ذلك هناك عدة أدوات منها تأسيس استراتيجية حقيقية لطرح المناقشات والانفتاح على النوافذ العالمية واستلهام تجارب فكرية ناجحة منها، ومناقشة المدارس الإعلامية المختلفة وتوظيف أنسبها، وتشكيل آلية ضبط المعايير المهنية دون انغلاق عن العالم فالإعلام المنفتح لا يعنى الفوضى، بل يعنى حرية مسئولة تفتح الباب للنقاش والمساءلة وابتكار الأفكار الجديدة.
أما «التحديث» والتحول الرقمى فهو تحدٍّ حقيقى؛ فالعالم والأجيال الجديدة أصبحت تعيش على الشاشة الصغيرة التى فى يدها، تنتقى منها المعلومة والصورة والتحليل فى لحظة واحدة، لذلك لا بد من خوض معركة التحديث الرقمى بكل أدواتها: مثل رقمنة الأرشيف الوطنى وفتح محتواه أمام الباحثين والجمهور، إنشاء وحدات تحليل البيانات والاعتماد على الإنفوجراف والرسوم البيانية، بناء وحدات تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعى مثل خاصية «التحقق» واستخدام تقنيات «الكشف عن الحقائق» وتدريب الصحفيين عليها، مما يسهم فى المنافسة على المنصات الدولية.
ويوصى المدخل الجديد من نظرية «التحديث الإعلامى» بعملية تحديث البنية التحتية للإعلام بدمج التكنولوجيا الحديثة فى الإنتاج والتوزيع والتفاعل مع الجمهور والتحول من الإعلام التقليدى إلى الإعلام التفاعلى متعدد المنصات واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعى فى تحليل سلوك الجمهور، ودمج الصحافة، والبودكاست، والفيديو، والإنتاج عبر السوشال ميديا فى منظومة واحدة وتعزيز الشفافية والمساءلة بفضل الاتصال المباشر بين الإعلام والجمهور.
«العالمية» والتأثير الدولى هى ضرورة حتمية لرسم «علامة» مصر الخاصة دولياً بمستوى تنفيذ عالمى ليعود صوت مصر مسموعاً فى الخارج، يجب أن يتحدث إعلامها لغات العالم لا لغتها وحدها واللغة هنا تعنى دلالات الكلمات أيضاً وتوظيف المصطلحات التى تؤكد مراعاة الحريات وأسس الديمقراطية وأوجه الحضارة بحيث يسرد الإعلام المصرى دوره فى رواية القصة المصرية من منظور حضارى وإنسانى بتغذية صورة الهوية المصرية المتميزة، كذلك هناك ضرورة لدعم المراسلين الدوليين وتزويدهم بالمعلومات، إذ لا يمكن أن يزدهر أى إعلام دون حرية حقيقية فى التعبير، والحرية هنا لا تعنى تجاوز الضوابط المهنية، بل الالتزام بالصدق والموضوعية واحترام عقل الجمهور بما يتناسب مع الوضع الأمنى والمصلحة العامة لمصر فى الظروف الحالية، وكذلك إنشاء مكاتب خارجية فى العواصم الكبرى يعزز من وجود مصر الإعلامى كقوة ناعمة فى محيطها الإقليمى والدولى.
و«المسئولية الاجتماعية» تجاه المواطنين المصريين لا بد أن تتحقق ليشعر المواطن بجدية التغيير والتعرض لرسائل فكرية حقيقية تناقش قضاياه بموضوعية وذلك بتفعيل آلية الانتقاد البنّاء والإعلام التفاعلى وعرض مختلف القضايا والآراء بحرية، إن بناء إعلام مصرى حديث ومنفتح لا يتطلب فقط تطوير التكنولوجيا أو تدريب الكوادر، بل يحتاج إلى إرادة سياسية ومجتمعية مشتركة ترى فى الإعلام أداة للتنوير لا التوجيه وللتأثير لا السيطرة، فالمستقبل الإعلامى لا يُبنى بالقيود بل بالثقة وبالقدرة على نقل الحقيقة إلى الداخل والخارج بروح مصرية عالمية.
وتعد تجربة هيئة الإذاعة الكندية «CBC» نموذجاً لمثل هذا التطوير، ففى عام ٢٠١٣ بدأت خطة إصلاح بعنوان «مساحة لنا جميعاً» اعتمدت فيها على التحول إلى شبكة رقمية متكاملة وتقديم الهوية الكندية بأساليب عالمية واستقلال تحريرى سمح ببناء مصداقية وثقة كبيرة لدى الجمهور والاستثمار فى الكفاءات والتنوع والرؤى الجديدة، وكانت النتيجة تضاعف مشاهدات المحتوى وزيادة ثقة الجمهور والتوسع الدولى بزيادة عدد المكاتب العالمية.
ونحن الآن بصدد تصميم خطة التطوير، كل التوفيق للجنة تطوير الإعلام، فالمهمة عظيمة ومصر تمتلك طاقات بشرية ومؤسسات إعلامية ضخمة، لكنها تحتاج إلى رؤية جديدة تؤمن بأن الانفتاح والتحديث والعالمية والمسئولية الاجتماعية ليست ترفاً، بل ضرورة لبقاء الإعلام نفسه، فالإعلام الذى لا يواكب العصر ولا يفتح نوافذه للعالم يصبح مجرد صدى لأصوات تُحدِّث نفسها، والوقت الآن مناسب لأن يبدأ الإعلام المصرى مرحلة جديدة من التنوير والتأثير، تليق بتاريخ مصر وريادتها الثقافية والإعلامية.